
.
يُعد الاتحاد العربي للإعلام التراثي من المبادرات المهمة في مجال حماية التراث والتعريف به حيث تأسس عام 2024م في العاصمة المصرية القاهرة بمشاركة ممثلين من تسع دول عربية هي مصر وقطر والبحرين وليبيا والسودان والعراق والجزائر وتونس واليمن ويتولى رئاسته الدكتور يوسف الكاظم الذي ظل يؤكد أهمية الإعلام المتخصص في حماية ذاكرة الأمة وصيانة موروثها الثقافي من الاندثار والنسيان.
وقد أعلن الاتحاد العربي للإعلام التراثي مؤخرا الفائزين بجوائز الإعلام التراثي العربي لعام 2026م، في نسخته الأولى التي جاءت احتفاءً بالإعلاميين والباحثين والكتاب والفنانين والمبدعين إلى جانب المؤسسات المتخصصة في توثيق التراث العربي والتعريف به ودعم المحتوى الإعلامي الهادف إلى صون الذاكرة الثقافية والحضارية للأمة العربية.
وفي هذا المحفل العربي جاءت جائزة الدراما التراثية من نصيب المخرج السوداني الدكتور أبوبكر الشيخ عن مسلسل «حكايات سودانية» وهو فوز مستحق رفع اسم السودان عالياً وأكد أن بلادنا صاحبة إرث ثقافي ضارب في أعماق التاريخ وحضارة متجذرة وتراث غني قادر على الحضور والتأثير في المشهد العربي.
لقد استطاعت سلسلة «حكايات سودانية» أن تربط الحاضر بالماضي وأن تجعل من الدراما جسراً ثقافياً ممتداً نحو المستقبل للتعريف بالهوية السودانية الأصيلة وإبراز عادات المجتمع وتقاليده وطقوسه وأنماط حياته بما تحمله من خصوصية وتنوع وتفرد.
فالتراث ليس مجرد حكايات تُروى أو أزياء وأغانٍ وطقوس تستعرض وإنما هو ذاكرة أمة وهوية شعب وتاريخ تتناقله الأجيال.
ومن هنا تأتي أهمية التوثيق لأنه يحفظ الرموز والممارسات الشعبية من الضياع ويقدمها للأجيال الجديدة بصورة تتيح لها معرفة جذورها والاعتزاز بها.
والسودان بحكم موقعه وتاريخه يمتلك تركيبة ثقافية ثرية ومتفردة امتزجت فيها روافد إفريقية وعربية الأمر الذي منح الثقافة السودانية نكهتها الخاصة وأنتج غزارة وتنوعاً في الأدب والفنون والموسيقى والدراما والفلكلور الشعبي.
ولذلك فإن فوز الدكتور أبوبكر الشيخ بهذه الجائزة لا يمثل نجاحاً شخصياً فحسب وإنما هو انتصار للدراما السودانية وللتراث الوطني وللثقافة السودانية في محفل عربي.
والدكتور أبوبكر الشيخ مخرج وأستاذ مساعد بكلية الدراما بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا وقد تخرج في كلية الموسيقى والدراما في العام 2002، وقدم خلال مسيرته عدداً من الأعمال الدرامية والتلفزيونية والإذاعية من بينها «حوش النور» و«حكايات سودانية» و«وتر حساس» و«عائلة مؤسسة» و«أقنعة الموت» و«حكايات المنطقة إكس» و«3 في حبل» و«جنة إبليس» إلى جانب عدد من الأفلام منها «حصاد الغربة» و«حارس البوابة» و«ريش الطاووس» و«لحين السداد» و«قلوب بيضاء» و«درب النمل»، و«عروس النيل»، وغيرها من الأعمال والمسلسلات التلفزيونية والإذاعية.
ويبدو التراث حاضراً بقوة في جانب كبير من أعماله، حيث ظل حريصاً على إبراز العادات والتقاليد السودانية الأصيلة وتقديمها في قالب درامي قادر على الوصول إلى الجمهور وإعادة اكتشاف تفاصيل الحياة السودانية القديمة.
ولم يكن هذا التتويج هو الأول في مسيرته فقد حصل على عدد من الجوائز والتكريمات من بينها برونزية الدراما في مهرجان تونس للإعلام إلى جانب جائزة أفضل مخرج في مهرجان البقعة المسرحي لموسم 2018م. كما نال درجة الدكتوراه في الدراسات الاستراتيجية الأمنية عن دراسة بعنوان «دور الدراما في تحقيق الأمن القومي»، وهي دراسة تعكس عمق رؤيته لطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه الدراما في المجتمع والدولة.
فالمبدع الحقيقي لا يكتفي بتقديم العمل الفني من أجل المتعة وإنما يحمل رسالة، ويصنع وعياً، ويقدم صورة عن وطنه ومجتمعه، ويترك أثراً للأجيال القادمة.
ومن هنا، فإن فوز «حكايات سودانية» بهذه الجائزة وفي هذا التوقيت تحديداً يحمل دلالات عميقة خصوصاً أن السودان يخوض حرب الكرامة ويحتاج إلى كل انتصار يرفع معنويات شعبه ويؤكد للعالم أن السودان رغم المحن والظروف القاسية ما زال قادراً على العطاء والإبداع والتميز.
فكما أن هناك رجالاً يحرسون الوطن في محاور القتال فإن هناك حراساً آخرين للهوية في ميادين الثقافة والفن والإعلام والفكر. وكل نجاح سوداني في أي مجال هو رسالة بأن هذا الوطن لا يُختزل في الحرب ولا تُختصر صورته في الأزمات وإنما هو وطن حضارة وثقافة وفن وإبداع وتاريخ.
والدراما واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة تستطيع أن تقدم السودان للعالم بصورة مختلفة وأن توثق لتاريخه وتحفظ ذاكرته وتدافع عن هويته وتعيد اكتشاف جماله وتنوعه..
إشراقة أخيرة.
السودان.. إشراقة جديدة
الحمد لله على نعمة التنوع والتعدد الثقافي الذي يمثل أحد مفاتيح القوة والتميز والتفرد في السودان. ولذلك فإن العمل على حفظ التراث والفلكلور وتوثيقه ليس ترفاً ثقافياً وإنما ضرورة وطنية لأنه يمثل جسراً لتواصل الأجيال وتعريفها بتاريخها وتعليمها من تجارب من سبقوها.
وهنا يأتي دور الدراما باعتبارها واحدة من أقوى الوسائل القادرة على تقديم التراث بصورة محببة وقريبة من الناس، وعلى تناول القضايا والمشكلات الاجتماعية، والمساهمة في تشكيل الوعي العام وتعزيز الانتماء الوطني.
ومن هذا المنبر أهمس جهراً إلى السيد وزير الثقافة والإعلام الاستاذ خالد الاعيسر ووكيل الوزارة الدكتور جراهام عبد القادر بضرورة إيلاء الدراما السودانية والمبدعين من ممثلين ومخرجين وكتاب وفنيين اهتماماً أكبر والعمل على توفير الإنتاج والدعم والفرص التي تمكنهم من تقديم أعمال غزيرة ومتميزة حتى تستعيد الدراما السودانية دورها ورسالتها وتصبح سفيراً للثقافة والهوية السودانية في الداخل والخارج.
إن السودان لا يفتقر إلى المبدعين وإنما يحتاج إلى من يفتح لهم الأبواب ويهيئ لهم المنصات ويمنحهم الفرصة ليقدموا ما عندهم.
مبروك للدكتور أبوبكر الشيخ ومبروك للدراما السودانية ومبروك للسودان هذا الانتصار الثقافي الجميل.
و (السودان إشراقة جميلة)
نصر من الله وفتح قريب.



