الأخبار المحلية

الأسرة السودانية.. لَمّةٌ تصنع الحياة ودفء لا تهزمه الظروف.

إشراقات الجمعة انتصار جعفر.

..

الحياة حلوة باللَّمّة وأجمل ما فيها أن يجد الإنسان نفسه وسط أهله وأسرته الكبيرة الممتدة تحيط به المحبة وتجمعه بهم صلة الرحم وتظل أبواب التواصل بينهم مفتوحة في السراء والضراء.
ولطالما كانت الأسرة السودانية واحدة من أجمل النماذج الاجتماعية التي عُرفت بالتواصل والتكافل والتعاون والتكاتف وهي قيم راسخة توارثتها الأجيال وظلت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية ولا سيما في المناسبات الاجتماعية التي تكشف معدن الناس وأصالة العلاقات بينهم.
ففي الأفراح والأتراح وفي المرض والسفر وفي الملمات والمناسبات تجد الأسرة السودانية حاضرة بقوة يسافر أهل الولايات إلى العاصمة وتتحرك الأسر من مدينة إلى أخرى للمجاملة والسؤال وتفقد الأحوال وإكمال ما نقص ومساندة من يحتاج إلى السند.
وليس غريباً أن يجد المرء من يقف إلى جانبه في أصعب الظروف وكأن لسان حال الموروث الشعبي والغنائي يقول:
«وديل أولاد عَمُّو جَنُّوا.. والناقص بيتمُّوا»
وهي عبارة تختصر لوحة زاهية من صور التكاتف الأسري حيث لا يترك القريب قريبه ولا يشعر أحد بأنه وحيد مهما اشتدت عليه الظروف.
لكن ومع الأسف بدأت بعض هذه العادات والتقاليد السمحة في الانحسار شيئاً فشيئاً خاصة بعد الحرب اللعينة وما خلّفته من آثار اقتصادية واجتماعية ونفسية قاسية.. فأصبحت الظروف الاقتصادية الصعبة تفرض على الناس نوعاً من التباعد القسري حتى بات التواصل الأسري نفسه يحتاج إلى حسابات دقيقة.
وفي الخرطوم ورغم عودة الحياة تدريجياً إلى كثير من مظاهرها الطبيعية لا تزال تعرفة المواصلات العامة تشكل هاجساً يؤرق مضجع الكثيرين خصوصاً أصحاب الدخل المحدود. فأصبحت الزيارة التي كانت بالأمس أمراً بسيطاً ومتاحاً للجميع تحتاج اليوم إلى ميزانية من أجرة المواصلات إلى تكلفة الهدية أو المجاملة ناهيك عن الالتزامات المرتبطة بالمناسبات و(كشوفاتها).
وهكذا تحولت بعض المناسبات التي كان يفترض أن تكون مصدر فرح ولقاء وتجديد للمحبة إلى همّ ثقيل على بعض الأسر ليس لأن القلوب تغيرت وإنما لأن الظروف أصبحت أقسى من قدرة الناس على الاحتمال.
ومع ذلك تبقى صلة الرحم أكبر من أن تختزلها تكلفة مواصلات وأعمق من أن تهزمها ضائقة اقتصادية. فالتواصل لا يكون دائماً بالمال قد تكون زيارة قصيرة أو اتصالاً هاتفياً أو رسالة صادقة أو سؤالاً عن الحال أو وقفة في وقت الشدة هي الهدية الأجمل والأبقى أثراً.
فالأسرة ليست مجرد تجمع من الأقارب وإنما هي الأمان والسند والذاكرة والامتداد. وحين تتماسك الأسرة يصبح المجتمع أكثر قدرة على تجاوز المحن وحين يتعاون أفرادها تخف وطأة الأزمات مهما اشتدت..

إشراقة أخيرة..

العودة الأقوى والأجمل…

نتمنى أن تكون هذه الظروف الصعبة مجرد مرحلة عابرة وأن يأتي اليوم الذي تعود فيه الحياة إلى مجراها الطبيعي وتعود معه الزيارات والمناسبات واللَّمّات الأسرية بلا تكلفة تُثقل كاهل الناس ولا عناء يحول بينهم وبين أهلهم وأحبابهم.
ومهما تكالبت علينا المحن والمصائب ستظل الحقيقة الماثلة أمامنا أن الأسرة هي الملاذ الأول والسند الأقرب وأن الأعمال مهما صغرت في أعين أصحابها فإن أثرها في القلوب قد يكون عظيماً.
فلنحافظ على ما تبقى من عاداتنا الجميلة ولنحيِ صلة الرحم بما نستطيع فرب كلمة طيبة تصلح ما أفسدته الأيام ورب سؤال صادق يرفع عن إنسان شيئاً من وحشة الظروف ورب لمّة عائلية صغيرة تعيد إلى الحياة شيئاً من جمالها الذي افتقدناه..

ففي التواصل اعماراً لقلوب بالمحبة.

نصر من الله وفتح قريب

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى