القضارف مدينة اﻻنتاج و الوفرة

القضارف مدينة اﻻنتاج و الوفر
خالد الجريف
بعض المدن لها سمات وعلامات مميزة عرفت بها وذاع صيتها بهذا التفرد الذى له عمق وسبق فى معاش الناس وحياتهم وسبل كسب عيشهم بما له من موارد وفيرة و مردود ايجابى ثر و طيب على الغير .
القضارف مدينة اﻻنتاج والوفرة رفدت مدن و قرى الوطن و مالية خزينته العامة واقتصاده بخيرها الكثير كالغيث العميم و الوابل الصيب المدرار ابان فصل الخريف عطاء غير مجذوذ فهى بالحق سلة غذاءه ( ومطمورته ومونته وشونته وركازة تقيلة ) فى كل الفصول و المواسم بما على ارضها المعطاة من محاصيل متنوعة متعددة وما هو مخزون فى داخل صوامعها من غلال مدخرة ، اعطت وما منت ومدت يدا بيضاء بالسخاء وما ضنت و ما تركت شيئا لنفسها دون غيرها وما ابقت فى ايثار نادر وتكافل يتمثل فيه روح الدين ( مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) فكانت من ممسكات الوحدة الوطنية الجاذبة بهذا التداعى السكانى من كل انحاء القطر مقيما بها متعارفا و ملتفا حولها و منصهرا فى بوتقها بإخاء وطنى ذابت فيه اﻻنا ، ويقال اذا كنت تبحث عن قبيلة فاذهب الى القضارف تجد فيها كل قبائل السودان حاضرة ، و إليها تمت هجرات وافدة من دول الجوار بالقرب منها .
مدينة منارة بهذا الزخم والحجم الضخم والتاريخ التليد الناصع تعانى فى بنيتها التحتية فمشروع شبكة المياه الجديدة مازال متعثر التنفيذ و قد طال امد انتظاره سنوات و سنوات للضخ عبره و الخراطيش جزء مدفون تحت اﻻرض واﻵخر فوقها معرض لحرارة الشمس والكاروهات التى تجرها الحمير تبيع الماء بالبراميل للسكان تجول فى احيائها وفى اسوقها مضيفة اعباء على المواطنين، والماء هو اصل النماء والبناء وكل اﻻشياء ( وجعلنا من الماء كل شئ حى ) وكأن هذا المشروع الحيوى الحياتى بلا حد و ﻻ قيد زمنى ليرى النور للاستفادة منه، هل فى اﻻمر عقدة تستعصى على الحل؟ ام أن هناك اشياء غير منظورة و مرئية ؟
اضف لذلك إنها تحتاج لمزيد من صناعة و صيانة الطرق وسفلتتها، وظاهرة الصفوف فى الجاز والبنزين والخبز التى عادت ملفتة للنظر و الوقت وقت حصاد بعد خريف مطير يبشر بالخير، وغاز الطهى صار فى حكم العدم والحصول عليه بشق اﻻنفس اذا تجاوزنا مسالة اﻻسعار والمغاﻻة فيها التى دفعت البعض للعودة للحطب والفحم.
لماذا ﻻ يتم انشاء مطار بالمدنية كامل الجاهزية ليكون وقاية وحماية لما قد يطرأ من مخاطر و طوارئ لبعدها النسبى الحدودى فى جهة الشرق او مثل بعض مدن البلاد فهى مستحقة وجديرة بذلك، بعد غياب السكة حديد عنها التى ظلت اثارها كقضبان باقية فى وسط السوق الكبير شاهدة تحكى ان هنا كانت محطة تصلها القطارات غادية و رايحة عابرة الى الميناء و عائدة الى الخرطوم واعماق البلاد .
مناظر وظواهر ﻻ تشبه القضارف مدينة الإنتاج و الوفرة و العطاء التى لها يد سلفت ودين مستحق. فقدرها اجل واعظم و إعتبارها يجب ان يكون ارفع واكبر لتصير عروس مدن الوطن.
نحن اطفال بقريتنا كلى ( وﻻية نهر النيل ) كنا نستمتع باﻻستماع من اذاعة هنا ام درمان احدى مجمعات الوجدان القومى الجمعى فى برنامج ربوع السودان ﻻغنية ( ياسمسم القضارف الزول صغير ما عارف الريد الريد كل ما هديتك شارف ) وبذا كان لها حضور عبر الفن مركوز فى ارض السودان الفسيحة ومكنوز فى ذوق شعبه الفطرى الذى يميل لكل جميل، و لقد هرمنا ومازالت الذكرى باقية تنعش الوجدان وتشعل الوجد فيه.
ومنها ولها وفيها نظم الشاعر الملهم المطبوع محمد بشير عتيق مجاريا الشاعر الفذ خليل فرح فى رائعته ( فى الضواحى وطرف المدائن يلا ننظر شفق الصباح) بقصيدة ﻻ تقل روعة عنها :-
فى الضواحى وطرف القضارف
يلا ننظر صوفى البشير
الطبيعة اﻻرواحه ناسمة
بالمحاسن تتجلى باسمة
للنشايد اطياره قاسمة
لى كمايم ازهاره لاثمة
تيمتنى ولى قلبى حاسمة
وفى صحايف قلبى راسمة
حب شقيقة القمر المنير
ذلك مقطع يسير من القصيدة التى لم تجد حظها فى التلحين والغنا .
كان الدكتور المبدع الموهوب محمد عبد الله الريح ( حساس محمد حساس ) يقدم فى بعض الليالى الحلمنتشية بجامعة الخرطوم منتصف سبعينيات القرن الماضى الفنان الشعبىى او ( قل البلدى ) عقيد الخيل الذى كان يجول فى الطرقات واﻻسواق واماكن تجمع الناس بالخرطوم وينشد شعره مغنيا وعازفا ( الربابة )
تأكلوا عيش من القضارف
حاج محمود الفى القضارف
للبعيد و لى المعارف
سبعة خلاوى عليها صارف
وكلو دخلو من القضارف
و يا حليلك يالقضارف
يا الجزيرة و يا الجزيرة
القطن فيك حرير
و درجة تانية من القضارف
سن عشرين يمشى القضارف
سن تلاتين يمشى القضارف
سن أربعين يمشى القضارف
سن خمسين سوق الخضار برة القضارف
يا معلمين امشوا القضارف
يا مهندسين امشوا القضارف
الرئيس عاجبه القضارف
و كل مرة بجى القضارف
و نحن ما بندى القضارف
و يا حليلك يا القضارف
هذا بعض مابقى بالذاكرة عن الفنان عقيد الخيل.
هذا يذكرنى بما ينسب للشيخ فرح ود تكتوك ( حلال المشكوك ) فى احدى مقوﻻته ( كان ماعجينى منو البجينى ) وحقيقة ما في دين بلا عجين .
ما سلف وتقدم ذكره ملامح مؤجزة عن زيارة قصيرة قمت بها الأسبوع الماضى لتلك المدينة التى احتلت مكانا عليا فى قلوب الناس يمازح ارواحهم حبا وتقديرا لها وهى الآن محتاجة للمسة وفاء مقابل ما قدمت من عطاء جزاء وفاقا وهل جزاء الاحسان الا. الاحسان .؟.

