
هذه العبارة ليست مجرد مثل قديم، بل هي وصفٌ دقيقٌ لحالنا اليوم. في خضم ما نعيشه نرى ونسمع عن إعادة تأهيل وترميم الوزارات والمؤسسات الحكومية في الخرطوم، وكأنها لم تمسسها أيدي الحرب. إنها تُعاد إلى الحياة بمال الدولة، بينما يظل السؤال الأهم معلقاً في الهواء: ماذا عن المواطن؟
نحن المواطنون المغلوبون على أمرنا الذين نُهبت بيوتهم بالكامل وحُطمت أبوابها، وسُرقت كابلات الكهرباء، واقتُلعت الأسلاك من الجدران.
من سيعيد لنا بيوتنا؟
من سيقف مع “محمد أحمد الغلبان” ليعيد له أبسط مقومات الحياة؟
وفي خضم هذا الواقع المرير، تخرج علينا بعض الهيئات، مثل هيئة المياه، لتطالب المواطن بدفع الفواتير.
أي فواتير؟
عن أي خدمة تتحدثون؟
كثير من المناطق لا تصلها قطرة ماء واحدة فكيف يُطالب المواطن بدفع ثمن شيء لا يملكه؟
من أين له بالمال وهو يعيش بلا دخل أو يعتمد على ما يجود به الأقربون؟
هذه المطالب ليست سوى تعميق للجراح. وترك المواطن البسيط ليواجه مصيره وحيداً. ولا يمكن تحميله فوق طاقته. يجب أن يُترك حتى يستعيد عافيته ويجد ما يقتات منه.
وكيف لنا أن نعود إلى ديارنا وهي مجرد أطلال؟
كيف نصلح ما أفسده الدهر والحرب، ونحن نعتمد في معيشتنا على كرم إخوتنا في الولايات أو في الخارج؟
كيف نعود إلى بيوتنا ونحن كنا نحصل على رواتب لا تكاد تكفي لشراء أسطوانة غاز، واليوم يُجبرنا قرار “إجازة بدون مرتب” على أن نعيش على لا شيء؟
كيف يتسنى لنا العودة؟
العودة إلى بيوت مهدمة، في مدينة تفتقر لأبسط الخدمات، حيث لا ماء ولا كهرباء، وحيث الأمراض تتربص بنا من كل جانب. هذه ليست تساؤلات عابرة، بل هي صرخة من أعماق قلوب أنهكها التعب واليأس.
أتذكر مقولة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها: لمَ لمْ تُصلح لها الطريق يا عمر؟” هذه المقولة ليست مجرد حكمة تاريخية، بل هي درس في تحمل المسؤولية، مسؤولية الحاكم تجاه رعيته. إنها تعكس مدى حرص أمير المؤمنين على أصغر أفراد مجتمعه.
أين نحن من هذا؟
أين هي هذه المسؤولية التي تجعل الحاكم يشعر بمسؤولية كاملة عن كل ما يحدث في رعيته؟
لا خير فينا إن لم نقل كلمة الحق، فإعادة تأهيل المباني الحكومية أمر جميل، لكن الأجمل والأكثر أهمية هو إعادة تأهيل الإنسان، وإعادة الحياة إلى بيوته. إن لم يستقم العود، فلن يستقيم الظل أبداً.
أصلح الله حالنا وأمورنا وهيأ لنا من أمرنا رشداً.


