أنواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة 49 خبايا المتعاونين
رمضان محجوب... يكتب

:
▪️ تصحى الذاكرة الوطنية كل يوم على أوجاع جديدة تكشف كيف دبرت المليشيا استغلال ضيق عيش الناس وفقرهم لتوريط بعض البسطاء في مستنقع التعاون المشين والزواج الباطل، بهدف رئيسي يتمثل في تكسير عظم المجتمع وقطع عروق جذوره، لتبقى هذه الدائرة الخبيثة تحفر في أساسات حياتنا اليومية وتدوس على كل موروث عريق في هذه الأرض الطيبة التي ما عرفت يوماً هذه الخسة بين أهل الدار الواحدة، وكأن الكرامة والهوان باتا سلعتين تباعان في سوق الموت.
▪️ اللعبة برمتها تقوم على الركض خلف السراب والوعود الزائفة، حيث يُستغل ضيق العيش والزمن الأغبر لتغيب عواطف الشباب وندفعهم نحو دروب الخسران التي لا تورث سوى الخراب، متخفين خلف شعارات واهية ومكاسب مؤقتة تزول بزوال أسبابها، بينما يظل عار الخيانة يلاحق كل من فرط في ضميره واختار أن يكون مخلباً للغريب في صدور أهله وعشيرته بلا وازع ديني أو أخلاقي.
▪️ أما حكاية التجنيد الإجباري فحدث ولا حرج، إذ يُقهر الناس بالسلاح والتهديد للانصياع لطاعة المليشيا، وكل بيت يرفض هذا الإملاء القسري يتعرض للحصار والتنكيل في كل شبر من المدن والفرقان، في ممارسات دنيئة تفضح الوجه الحقيقي لهؤلاء المرتزقة الذين تعرت قلوبهم من الرحمة ولا تهمهم حرمة البيوت ولا أعراض الآمنين المستقرين منذ أجيال.
▪️ ومسألة الزواج القسري أو المصلحي تمثل وجهاً آخر أشد خبثاً؛ إذ تسعى المليشيا من خلاله لترسيخ أقدامها وغرس جذورها داخل المجتمع السوداني الأصيل عبر مصاهرات مشبوهة تنبذها كل الأعراف والقيم الراسخة عبر التاريخ الطويل من الشرف والكرامة، محاولة فرض واقع جديد على أنقاض طهارة النسيج الاجتماعي.
▪️ وهنا تبرز قصة بنت الجيران التي هوت في المحظور منذ الشهور الأولى للحرب، فرضت بالارتباط بأحد عناصر المليشيا طمعاً في حماية زائفة ومكاسب هشة، لتحول تلك الزيجة المشؤومة إلى طعنة نجلاء في خاصرة الحي بأسره، وعبرة لكل من ضعفت نفسه وتاجر بشرفه في أسواق الرخص.
▪️ غير أن الطامة الكبرى تكمن في الصمت الجماعي والتساهل المجتمعي المحدود مع أولئك الخونة؛ فهذا التغاضي يشرع الأبواب للريح لتدخل محملة بالخراب، ويمنح الذين باعوا وطنهم غطاءً وهمياً يواصلون به تخريب مقدرات الأهل ومساعدة المعتدي، وكأن التخاذل صار شراكة خفية تسهم في التنكيل بالشرفاء دون رادع.
▪️ وتبقى التساؤلات الثقيلة معلقة بانتظار ما بعد الحرب؛ كيف سنرمم هذا الشمل الممزق ونعالج الجراح والندوب التي أحدثها المتعاونون في جدار الثقة التاريخي؟ وكيف للقلوب أن تغفر لمن شاركها لقمة العيش وملح الجيرة ثم باعها في أول منزلق بلا رفة جفن أو وميض ضمير؟
◼ فالخائن نفسه يعيش صراعاً نفسياً لا ينقطع بين انتمائه المفقود ووحشة الخيانة، لا هو بقي حافظاً لأصله وبلده، ولا هو وجد لنفسه مكاناً مقبولاً بين الاوباش، بل يظل تائهاً مغترباً في وطنه الذي باعه بثمن بخس، تلاحقه نظرات الاحتقار أينما حل، مدركاً أنه بات منبوذاً في مجتمعه.
◼ وبلغ الوباء شأنه ليفرق بين أفراد الأسرة الواحدة؛ فتجد الأخ صامداً كالجبل يدافع عن عِرض أهله، وشقيقه الآخر قد هوى في فخ العمالة والتبعية العمياء، فتتحطم عرى الدم وتتشتت العائلات تحت وطأة المصالح الزائفة والولاءات المهزومة في أصقاع الشتات.
◼ ومن دفاتر الواقع المؤلمة، يبرز نموذج الجار (ا)؛ ذلك الذي كنا نتشارك معه لقمة العيش في صحن واحد ببقالة الصفوة، فلم يراعِ عشرة ولا مِلحاً، وارتد عن اليد التي أكرمته ليوشي بنا وبأهل الحي لدى المليشيا طمعاً في فتات زائل لا يعوض شرف الانتماء.
▪️ ولا تقل طعنة الجار الشرطي “ج ” .. مرارة؛ فهو الذي أقسم على حفظ الأمن وحماية العباد، فإذا به ينزع رداء الواجب ويرتدي زي المليشيا ليغدو مقاتلاً يوجه بندقيته صوب صدور من كانوا يأمنون جانبه بالأمس القريب، متخلياً عن كل معاني الشرف والمسؤولية.
▪️ وتكتمل المأساة حين يمتد خنجر الغدر ليصيب الصديق العزيز “إ ع” الذي كان ضابطاً في صفوف احدي القوات النظامية ويُرتجى منه السند د87والوفاء، فإذا به يفاجئ الجميع بالالتحاق بصفوف المليشيا في ضربة تركت في النفس غصة عميقة وجرحاً إنسانياً لا يندمل مع مرور الوقت.
▪️ وفي المقابل المضيء الذي يغسل أدران الخيانة، تبرز شواهد الصمود العظمى لأناس أحرار رفضوا كل الإغراءات وأبوا الخضوع للجنجويد الغزاة؛ فبادر أحدهم للفرار بعائلته وبناته إلى مناطق آمنة، مفضلين مرارة النزوح وشظف العيش وقسوة الطرقات على بقاء الحرائر تحت طائلة التزويج القسري والانتهاك السافل.
▪️ هذا الصمود الأسطوري يثبت أن السودان لا يزال نابضاً بالحياة، وأن أحراره هم درعه الحصين الذين يحرسون كرامته بدمائهم وصبرهم، رافضين الذل ودارين ظهورهم لمليشيا الخراب مهما اشتد طغيانها وقست ظروفها.
▪️ تتوالى التحذيرات الواعية من مغبة هذه الاختراقات التي تستهدف البنية الأخلاقية للأمة، مما يستنفر الهمم لتشكيل جبهة رفض شعبي حاسم تعزل المتعاونين وتقاطع كل من فرط في عرض وطنه، حتى لا يترك لهم مجال للعودة دون حساب عسير يطهر وجه الأرض من دنسهم.
▪️ وقطعا الخاتمة محسومة والتاريخ لا يرحم؛ فمآل كل خادم للمليشيا هو السقوط المريع والندم حين لا منقذ، فحبل الكذب قصير، وبلادنا أطهر من أن تدنسها أقدام العملاء، وستبقى الراية خفاقة بأيدي الأحرار بينما يذهب المرتزقة إلى مزابل التاريخ غير مأسوف عليهم.



