
السودان وطن غني بموارده، عظيم بشعبه، واسع بتاريخه، لكنه ظل لسنوات طويلة يدفع ثمن الخلافات والانقسامات والصراعات التي أنهكت الدولة وأرهقت المواطن. ولو تأملنا بصدق في أسباب تعثره، لوجدنا أن هناك ثلاث قضايا كبرى إذا تجاوزها السودانيون، فإن الوطن سيفتح أبوابه نحو مستقبل مختلف، وستبدأ مرحلة جديدة من البناء الحقيقي والتنمية والاستقرار.
أولى هذه القضايا هي ترك الجهوية والعصبية والقبلية والحزبية الضيقة.
لقد أضرت هذه الآفات بالسودان كثيراً، وفرّقت بين أبنائه، وجعلت الولاء أحياناً للقبيلة أو الحزب قبل الوطن. وما من دولة نهضت وهي غارقة في الانقسامات. فالسودان لا يبنيه إقليم وحده، ولا قبيلة وحدها، ولا حزب وحده، وإنما تبنيه إرادة شعب كامل يؤمن أن الوطن أكبر من الجميع.
أما القضية الثانية فهي قبول الآخر، وهي من أهم أسس بناء الدول الحديثة.
علينا أن نتعلم كيف نختلف دون خصومة، وكيف نستمع لبعضنا البعض بعقول مفتوحة وقلوب صادقة. الوطن يحتاج إلى الجميع؛ يحتاج إلى صاحب الفكر، وإلى المزارع، وإلى المعلم، وإلى الطبيب، وإلى الجندي، وإلى كل صاحب علم وخبرة. فحين نجعل السودان هدفاً سامياً، ونعمل بروح جماعية، ونحترم الرأي والرأي الآخر، سنضع أولى خطوات الاستقرار الحقيقي.
أما القضية الثالثة فهي الصدق في محبة الوطن والعمل لأجله بإخلاص.
حب الوطن ليس شعارات تُرفع، ولا كلمات تُقال في المناسبات، بل مواقف وعطاء وتضحية. أن نحافظ على بلادنا، وأن نرفض العمالة والخيانة، وأن نقف صفاً واحداً ضد كل من يريد إضعاف السودان أو تقسيمه أو سرقة مقدراته.
إن السودان يمتلك من الثروات والإمكانات ما يجعله في مقدمة الدول إذا أحسن استغلالها. فالاهتمام بالصناعة والزراعة والثروة الحيوانية يمكن أن يحقق نهضة اقتصادية كبيرة، كما أن تطوير البنية التحتية والاقتصاد والسياحة والاستفادة من ثروات باطن الأرض سيفتح أبواب التنمية والاستثمار.
ولا بد كذلك من تطوير الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة، وتوحيد الصف الوطني، وتقوية المعارضة الوطنية الشريفة التي تعمل من أجل رفعة البلاد لا من أجل المصالح الضيقة. كما أن حل الحركات المسلحة وجمع السلاح وبناء الدولة على أسس المواطنة الصحيحة، كلها خطوات ضرورية لحفظ الأمن والاستقرار.
إن الحفاظ على مؤسسات الدولة وممتلكات الشعب مسؤولية جماعية، لأن الأوطان لا تُبنى بالفوضى، وإنما تُبنى بالوعي والعمل والانتماء الصادق.
ويبقى الأمل الأكبر أن يحكم السودان بإرادة شعبه، وأن يتقدم بأبنائه المخلصين الذين يضعون الوطن فوق كل اعتبار، لأن الأمم العظيمة لا تصنعها المعجزات وحدها، بل تصنعها الشعوب حين تؤمن بأوطانها وتعمل من أجلها بصدق وإخلاص.


