الأسرة السودانية.. من دفء العائلة الممتدة إلى عزلة الأسرة النووية
إشراقات الجمعة انتصار جعفر

الأسرة هي أساس الحياة، ومنها يبدأ تكوين الإنسان وتتشكل شخصيته وقيمه ومبادئه، والتكوين الأسري جذور ممتدة عبر الزمان، تقوم على رابطة الدم وصلة الرحم والمودة والرحمة، وهي من أسمى وأقوى العلاقات الإنسانية التي أراد الله لها أن تبقى متماسكة مهما اشتدت قسوة الحياة وتقلباتها.
ولطالما عُرفت الأسرة السودانية، في صورتها التقليدية، بالأسرة الممتدة التي لا تقتصر على الأب والأم والأبناء، وإنما تضم الخالات والعمات والأعمام والأخوال، ثم أبناء العمومة والخؤولة، وكل فروع الأسرة التي تجمعها صلة الرحم والمصاهرة.
كانت هذه الكوكبة الأسرية تنصهر في بوتقة واحدة، لكل فرد فيها دوره ومسؤولياته ومهامه، بحسب موقعه ومكانته، وكانت المرجعية في كثير من الأحيان لكبير الأسرة أو عميدها، الذي يمثل صوت الحكمة والخبرة، ويحتكم إليه الجميع عند الاختلاف.
وكان الجميل في تلك الأسرة ، أن أفرادها كانوا يتقبلون بعضهم بعضاً، رغم اختلاف الطباع ووجود العيوب والسلبيات، بل كانوا يعتبرون إصلاح الخلل مسؤولية جماعية، فيسعى الكبير إلى التقريب بين المتخاصمين، ويجتهد الجميع في معالجة ما أفسده الزمن، والمحافظة على وحدة الأسرة وتماسكها.
لكن مع تغير أنماط الحياة، ظهرت صورة جديدة للأسرة، هي الأسرة النووية التي تقتصر في الغالب على الأب والأم والأبناء، بينما تراجع حضور بقية أفراد الأسرة الممتدة في الحياة اليومية، وأصبح تأثير العم والخال والخالة والعمة أقل من ذي قبل.
وليس المقصود أن الأسرة النووية في حد ذاتها أمر سلبي، فهي نمط أسري طبيعي فرضته ظروف الحياة الحديثة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الخصوصية الأسرية إلى قطيعة مع الأسرة الكبيرة، وعندما يصبح الاستقلال ذريعة لإلغاء صلة الرحم أو رفض نصح الكبار وخبراتهم.
فأصبحنا نسمع عبارات مؤلمة مثل: «أبوي في عمي ما مسؤول عني»، وكأن العم أو الخال أصبح شخصاً غريباً لا تربطه بالأسرة سوى صلة الاسم. وقد تصل الأمور أحياناً إلى أن يخاصم الأبناء أعمامهم وأخوالهم، أو تقطع البنات صلتهن بالخالات والعمات، وتتحول الخلافات الصغيرة إلى خصومات طويلة، ثم إلى قطيعة لا يعلم إلا الله كيف تنتهي.
والأخطر من ذلك أن بعض الأخطاء التربوية التي تُمارس داخل الأسرة النووية، من فرط التدليل أو العزل أو زرع الحساسية تجاه الآخرين، قد تترك آثاراً عميقة على شخصية الأبناء، وتنعكس لاحقاً على المجتمع كله،لأن الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الاحترام، والتسامح، وصلة الرحم، وقبول الآخر، وتحمل المسؤولية.
لقد كانت الأسرة السودانية قديماً أشبه بالمظلة الكبيرة، إذا تعثر أحد أفرادها وجد من يسنده، وإذا مرض وجد من يزوره، وإذا أصابته مصيبة وجد من يقف إلى جانبه، وإذا أخطأ وجد من ينصحه ويقوّم مساره. أما اليوم، فقد أصبح بعضنا يعيش داخل دائرة ضيقة جداً، حتى أصبح القريب أحياناً أبعد من الغريب.
وللأسف، بدأت أشياء وصفات نبيلة كانت تتصف بها الأسرة السودانية الأصيلة تنسحب تدريجياً من حياتنا،فالعلاقة الأسرية التي كانت تقوم على السؤال والزيارة والمشاركة والمساندة، أصبحت في بعض البيوت علاقة موسمية، ثم يصيبها الوهن والفتور، وبعدها يأتي الانقطاع التدريجي، حتى نصل إلى مرحلة يصبح فيها التواصل مجرد ذكرى.
ومع ذلك، فإن الحفاظ على الأسرة الممتدة لا يعني إلغاء خصوصية الأسرة النووية، بل المطلوب هو التوازن،أن يكون للأب والأم دورهما في تربية أبنائهما واتخاذ قراراتهما، مع احترام مكانة الكبار والمحافظة على صلة الرحم، وأن يتعلم الأبناء أن استقلال الأسرة لا يعني الاستغناء عن الأهل.
فما أجمل أن ينشأ الطفل وهو يعرف عمه وخاله وخالته وعمته، ويحترم الكبير ويحنو على الصغير، ويعلم أن له أسرة كبيرة تمتد جذورها بعيداً عن جدران البيت الذي يسكنه.
إشراقة أخيرة
الحرب كشفت المستور
الحرب اللعينة كشفت كثيراً من المستور، وكانت بمثابة سقوط للأقنعة، خاصة عندما اضطرت أعداد كبيرة من الأسر إلى السكن تحت سقف واحد، بعد أن فرقتهم ظروف الحرب عن بيوتهم ومدنهم.
وهنا ظهرت حقيقة العلاقات الأسرية،فهناك أسر ازدادت تماسكاً وتراحما، وكان أفرادها لبعضهم البعض سنداً وعوناً، وهناك أسر أخرى كشفت المعايشة اليومية فيها عن توترات وخلافات ومشكلات كانت مستترة، حتى أصبحت الحياة المشتركة عبئاً يعكر صفو الأسرة وروقانها.
لكن الأزمات، رغم قسوتها، يمكن أن تكون فرصة لإعادة ترتيب علاقاتنا، ومراجعة أخطائنا، وإحياء صلة الرحم، وتعليم أبنائنا أن الأسرة ليست مجرد أب وأم وأبناء، وإنما هي تاريخ وذكريات ودم ورحم ومودة وسند.
فإذا حافظنا على الأسرة، حافظنا على المجتمع، وإذا ضعفت روابط الأسرة، تسلل الضعف إلى المجتمع كله.
فلنُعد للأسرة السودانية دفئها، ولصلة الرحم مكانتها، وللكبار احترامهم، وللصغار حقهم في أن يكبروا وهم محاطون بالحب والأمان والانتماء.
فالأسرة المتماسكة وطن صغير، إذا صلح صلح كثير من الوطن الكبير.



