الأخبار المحلية

السودان بين أزمات الحرب وتحديات الصمود.. حين يصبح التمسك بالوطن معركة أخرى

بقلم: أماني أبشر

لم تعد أزمة الوقود في السودان مجرد أزمة محلية منفصلة عن محيطها، بل باتت تتداخل مع تداعيات الأزمات العالمية واضطرابات أسواق الطاقة الناجمة عن الحروب والتوترات الدولية، بما فيها التطورات في منطقة الخليج. غير أن الأزمة السودانية تتخذ أبعاداً أكثر تعقيداً بفعل الاختلالات الداخلية، وفي مقدمتها ضعف الرقابة على توزيع المشتقات النفطية وغياب الرقابة التنفيذية الفاعلة، الأمر الذي أسهم في تفاقم معاناة المواطنين وارتفاع تكاليف المعيشة إلى مستويات تفوق قدرتهم على الاحتمال.
وزاد استهداف منشآت الكهرباء، وما ترتب عليه من انقطاعات في التيار الكهربائي واضطراب الخدمات الأساسية، من حجم المعاناة اليومية. فأصبح المواطن السوداني يواجه أعباءً متزايدة في تأمين احتياجاته الضرورية، حتى غدا شراء كيلوغرام من العدس، الذي وصل سعره إلى نحو أربعين ألف جنيه ، حلماً بعيد المنال بالنسبة إلى كثير من الأسر.
شعب أنهكته الحرب ولم يفقد إرادته
لقد صبر الشعب السوداني طويلاً على ويلات الحرب؛ صبر على الموت والفقد والأسر، وعلى نهب الممتلكات وتشريد الأسر، كما صبر على القصف المدفعي وسقوط القذائف في الأسواق والأحياء السكنية، مخلفةً ضحايا أبرياء وجرحى ومزيداً من المآسي الإنسانية.
وصبر السودانيون كذلك على هجمات الطائرات المسيّرة التي طالت منشآت حيوية وخدمية، وعلى ما خلّفته الحرب من دمار طال البنية التحتية ومقومات الحياة الأساسية. وتزداد مرارة المشهد حين تأتي التهديدات من دول جوار كانت تربطها بالسودان علاقات تاريخية واجتماعية، وتقاسم أهلها الأفراح والأتراح، قبل أن يجد السودانيون أنفسهم أمام مواقف وممارسات يرون أنها أسهمت في تعميق معاناتهم وإطالة أمد الحرب.
إن استهداف المنشآت الخدمية لا يقتصر أثره على تعطيل الكهرباء أو المياه، بل يمتد إلى حياة الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن، ويحرم قطاعات واسعة من المجتمع من حقوق أساسية، في مقدمتها الغذاء والماء والعلاج والأمن والاستقرار.
وفي خضم هذه المحنة، برزت مواقف دول وقفت إلى جانب السودان وقدمت أشكالاً من الدعم والمساندة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة قطر وتركيا وجمهورية مصر العربية، إلى جانب دول أخرى. وهي مواقف تستحق التقدير، مع تطلع الشعب السوداني إلى مزيد من التضامن الإنساني والسياسي الذي يتناسب مع حجم الكارثة التي يعيشها.
وفي المقابل، فإن مواقف بعض الدول الإقليمية والأفريقية، ولا سيما ما يتعلق باستخدام الأراضي أو تسهيل الأنشطة التي تستهدف السودان، ستظل موضع تساؤل ومساءلة تاريخية. فالجغرافيا المشتركة وروابط الجوار تفرضان مسؤوليات أخلاقية وإنسانية، ولا ينبغي أن تتحول الحدود إلى منافذ لتوسيع دائرة الحرب ومعاناة الشعوب.
الحرب الاقتصادية واستهداف مقومات الحياة
لقد تعددت أشكال الحرب التي يتعرض لها السودان، ولم تعد المواجهة مقتصرة على ميادين القتال، بل امتدت إلى الاقتصاد والمجتمع والبنية التحتية. فكلما خسرت الميليشيا معركة في منطقة ما، تتجدد المخاوف من استهداف المنشآت المدنية والخدمية، في محاولة لتعطيل الحياة العامة وإرباك المواطنين وزيادة الضغط على الدولة والمجتمع.
إن ضرب محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية، متى ثبت ارتباطه بالعمليات العسكرية، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تطور ميداني عابر، بل هو عمل تترتب عليه آثار إنسانية واقتصادية واسعة. كما أن استهداف المرافق المدنية يثير أسئلة جدية بشأن حماية السكان وضرورة الالتزام بالقواعد الإنسانية التي تحظر الاعتداء على المدنيين والأعيان المدنية.
وقد شهدت الأيام الماضية انقطاعات في الكهرباء بعد استهداف الميليشيا وداعميها منشآت خدمية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة مخاوف المواطنين من اتساع دائرة المعاناة، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية وضعف القدرة الشرائية.
غير أن أخطر ما يمكن أن تخلّفه هذه الضغوط هو أن يفقد المواطن إحساسه بالأمان والاستقرار، فيفكر في مغادرة منزله والعودة إلى رحلة النزوح والتشرد التي لم تندمل جراحها بعد.
بعد تحرير الخرطوم.. العودة إلى الحياة رغم الجراح
عقب استعادة القوات المسلحة السيطرة على الخرطوم، بدأ كثير من المواطنين العودة تدريجياً إلى منازلهم، رغم ما وجدوه من دمار وخراب وغياب للخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه والعلاج. عادوا لأن المنازل، مهما أصابها من أذى، تظل أكثر من مجرد جدران؛ إنها ذاكرة الأسرة وامتدادها وأملها في استعادة الحياة.
وفي تلك الظروف الصعبة، ظل كثير من السودانيين يستمدون الثقة من صمود القوات المسلحة والقوات المساندة لها، ومن استمرار العمليات العسكرية التي أفضت إلى استعادة مناطق واسعة البلاد . وتجدد الأمل لدى قطاعات من المواطنين في أن تمتد هذه الجهود إلى بقية المناطق، وأن يعود الأمن والاستقرار إلى كل شبر من أرض السودان.
لكن استعادة المدن لا تعني أن المعركة انتهت؛ فإعادة الإعمار، وإصلاح محطات الكهرباء والمياه، وإعادة تشغيل المستشفيات والمرافق العامة، وتوفير الوقود والغذاء، كلها معارك موازية لا تقل أهمية عن استعادة الأرض
.
هل نغادر الوطن كلما اشتدت الأزمات؟

إن ارتفاع الأسعار وانقطاع الكهرباء وشح الوقود أزمات حقيقية لا يجوز التقليل من آثارها، كما لا يصح مطالبة المواطن يتحملها من دون حلول عملية أو مساءلة الجهات المسؤولة عن إدارة الخدمات وتوفير الاحتياجات الأساسية.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: هل يكون الحل في مغادرة بيوتنا من جديد كلما اشتدت الضغوط، أم في البحث عن وسائل للصمود واستعادة الحياة، مع المطالبة الجادة بحقوقنا وتحميل الجهات المختصة مسؤولياتها؟
إن الوطن لا يُختزل في حكومة أو سلطة أو مرحلة سياسية، بل هو الأرض والناس والذاكرة والتاريخ والهوية. وقد تتغير الحكومات وتتبدل الظروف، لكن خسارة الوطن تعني أن يصبح الإنسان غريباً عن أرضه، يبحث عن الأمان بعيداً عن جذوره، ويواجه تحديات اللجوء والتشرد وفقدان الاستقرار.
ولذلك، فإن التمسك بالوطن لا يعني الصمت عن الأخطاء أو قبول الأزمات باعتبارها قدراً لا يتغير، بل يعني الجمع بين الصمود والمطالبة بالإصلاح، وبين حماية الأرض والدفاع عن حق المواطن في حياة كريمة
.
من إدارة الأزمة إلى صناعة الحلول

إن المرحلة الراهنة تتطلب موقفاً وطنياً مسؤولاً، يبدأ بتعزيز الرقابة على توزيع الوقود ومنع الاحتكار والمضاربة، ومحاسبة المتسببين في تعطيل وصول السلع والخدمات إلى المواطنين. كما تستوجب وضع خطط عاجلة لصيانة محطات الكهرباء والمياه، وتأمين المنشآت الحيوية، وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية، بما يقلل من هشاشة الخدمات أمام الاستهداف والتعطل.
كذلك، لا بد من ترسيخ مبدأ الشفافية في إدارة الأزمة، وإطلاع المواطنين على الحقائق المتعلقة بالإمدادات والأسعار والجهود المبذولة لمعالجة الاختناقات. فالثقة بين الدولة والمجتمع لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالعمل الملموس والعدالة في توزيع الموارد والاستجابة الفعلية لاحتياجات الناس.
وفي المقابل، تقع على المجتمع مسؤولية الإسهام في تجاوز المرحلة، من خلال ترشيد الاستهلاك، والتكافل مع الأسر الأكثر تضرراً، وتشجيع المبادرات المحلية التي توفر الغذاء والخدمات، ودعم كل جهد يسهم في حماية المدنيين وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
كما أن مساندة القوات المسلحة والقوات المساندة لها، في إطار حماية الوطن وصون سيادته، ينبغي أن تتكامل مع الجهود المدنية الرامية إلى استعادة الخدمات وحماية حياة المواطنين، حتى لا يتحول الصمود إلى عبء تتحمله الأسر وحدها.
من المحنة تولد فرص النهوض

لقد مر السودان بأشهر وسنوات قاسية، ودفع مواطنوه أثماناً باهظة من أرواحهم وممتلكاتهم واستقرارهم. ومع ذلك، فإن هذه المعاناة يمكن أن تتحول، إذا أحسنّا إدارة المرحلة، إلى دافع لإعادة التفكير في أساليب إدارة الاقتصاد والخدمات، وتطوير مشروعات وطنية تقلل الاعتماد على الخارج، وتعزز الإنتاج المحلي، وتفتح آفاقاً جديدة للطاقة والصناعة والزراعة.
إن تجارب الأجداد في الصبر والعمل والتكافل ينبغي أن تكون مصدر إلهام للأجيال الحالية، لا لتبرير المعاناة أو الاستسلام لها، بل لاستلهام القدرة على تجاوزها وبناء مستقبل أكثر قوة واستقراراً.
فالسودان الذي صمد شعبه أمام الحروب والنزوح والفقد قادر، بإرادة أبنائه وتكاتفهم وحسن إدارة موارده، على النهوض من جديد. ولن يكون الانتصار الحقيقي في استعادة الأرض وحدها، بل في استعادة كرامة المواطن، وتأمين احتياجاته الأساسية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وضمان ألا تتحول الخدمات الضرورية إلى امتياز لا يقدر عليه إلا القادرون.
سنظل نتمسك بوطننا، ونعمل من أجل استقراره وإعماره، ونرفع رؤوسنا اعتزازاً بهويتنا السودانية. فالصمود ليس مجرد احتمال للألم، بل إرادة لتحويل المحنة إلى بداية جديدة، وبناء وطن يستحقه أبناؤه، وطن تسوده الكرامة والأمان والعدالة والسلام.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى