الفاشر… واختبار مصداقية الأمم المتحدة

بقلم:عثمان حامد
حين وقف كوفي عنان، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، أمام أنقاض رواندا، لم يجد ما يقوله للعالم سوى عبارة واحدة أصبحت وثيقة عار دولية: (Never Again – لن يحدث مرة أخرى)
قالها الرجل الغاني الذي جاء من قلب أفريقيا، بعد أن شاهد العالم كله مجازر الهوتو والتوتسي تحصد أكثر من 800 ألف روح في مائة يوم، والأمم المتحدة عاجزة، وقواتها تنسحب، ومجلس أمنها يتفرج.
أقسم عنان يومها أن منظمته لن تسمح بتكرار المأساة، على الأقل في قارته أفريقيا.
لكن ما حدث في الفاشر يؤكد أن العبارة ماتت مع صاحبها.
لمدة 500 يوم كاملة، ظلت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور وآخر معاقل الدولة في الإقليم، محاصرة حصاراً خانقاً من مليشيا الدعم السريع.
500 يوم والمدينة بلا غذاء ولا دواء ولا وقود. 500 يوم من القصف العشوائي على المستشفيات والأسواق ومعسكرات النازحين. 500 يوم والحكومة السودانية تطلق النداء تلو النداء، تخاطب الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأفريقي.
والنتيجة؟ لا شيء. بيانات قلق، ودعوات لضبط النفس، وتجاهل كامل لقرار مجلس الأمن 1556 الخاص بحظر السلاح في دارفور.
خلال هذه الأشهر الطويلة، كانت المليشيا تحشد. آلاف المرتزقة من خارج الحدود، مئات العربات القتالية، مسيرات استراتيجية، وعتاد حربي متطور، وفرته – وبالأدلة والوثائق التي قدمها السودان لمجلس الأمن – دولة الإمارات .
كل ذلك يمر عبر الحدود والمطارات، والأقمار الصناعية ترصده، والتقارير الأممية تلمح إليه، لكن لا أحد أوقفه. حتى كانت لحظة السقوط في *26 أكتوبر 2025.
لم تكن الفاشر مجرد معركة عسكرية خسرها الجيش. كانت مشروع إبادة موثق.
دخلت المليشيا المدينة وهي تحمل كاميراتها قبل بنادقها. صورت نفسها وهي تمارس التصفيات الميدانية، والإعدامات على أساس الهوية والعرق، والتمثيل بالجثث، والاغتصاب الممنهج، ونهب المنازل.
جرائم حرب مكتملة الأركان، لم يعد السودان مطالباً بإثباتها، لأن الجناة وثقوها بأنفسهم وبثوها فخراً على منصاتهم.
وهنا تكمن المفارقة الموجة ، فالأمم المتحدة التي لديها بعثة لتقصي الحقائق، ولديها محكمة جنائية دولية تنظر في قضايا دارفور منذ 2005، ولديها مستشار خاص لمنع الإبادة الجماعية، وقفت صامتة أمام جريمة منع الإبادة الجماعية التي وجدت من أجل منعها.
الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل هي اختبار نهائي لمصداقية النظام الدولي برمته لثلاثة أسباب:
أولاً: اختبار لمبدأ المسؤولية عن الحماية الذي أقرته الأمم المتحدة بعد مجازر رواندا وسربرنيتشا، والذي يلزم المجتمع الدولي بالتدخل عندما تعجز الدولة عن حماية مدنييها. في الفاشر، الدولة كانت تناشد المجتمع الدولي أن يساعدها على الحماية، والمجتمع الدولي هو من عجز.
ثانياً: اختبار لحظر السلاح، فكيف تدخل آلاف الأطنان من السلاح والمسيرات إلى إقليم محظور بقرار دولي منذ 20 عاماً دون أن تتحرك لجنة العقوبات؟
ثالثاً: اختبار للعدالة الانتقائية فلماذا تتحرك المحكمة الجنائية الدولية بسرعة في أوكرانيا وفلسطين، وتتلكأ في دارفور رغم أن ملفها مفتوح منذ عقدين؟
إن ما جرى في الفاشر يثبت أن شعار (لن يحدث مرة أخرى) كان يقصد به (لن يحدث مرة أخرى في أوروبا) . أما في أفريقيا، وفي دارفور تحديداً، فيمكن أن يحدث كل شيء.
إحياء ذكرى الفاشر يجب ألا يكون مجرد ندوة للبكاء على الأطلال. المطلوب هو تحويل الذكرى إلى مسار تحقيق دولي مستقل وشفاف في حصار وسقوط الفاشر وما تلاه من مجازر.
وتسمية الدول والجهات التي مولت وسلحت المليشيا بالأسماء والأدلة.
و إحالة كل من ثبت تورطه إلى المحكمة الجنائية الدولية فوراً.
وجبر ضرر الضحايا والناجين وضمان عدم الإفلات من العقاب.
لقد قال ضحايا الفاشر كلمتهم بدمائهم. واليوم الكرة في ملعب الأمم المتحدة: إما أن تثبت أن عبارة كوفي عنان ما زالت حية، أو تعلن للعالم أن الفاشر هي رواندا الثانية، وأن المجتمع الدولي قد مات ضميره بالفعل.
Never Again يجب أن تعني الفاشر أيضاً.


