الأخبار المحلية

بين مطرقة الأسعار واقتصادات البقاء .. لا لتداول الخوف

مهد الحروف د. هيثم حسن عبد السلام خبير شؤون المستهلك mismawia@yahoo.com

تخوض الأسر السودانية اليوم المعركة الأشد قسوة في تاريخها الحديث، وهي معركة لا تدور رحاها في جبهات القتال بل داخل كل بيت وعلى أبواب الأسواق، حيث تجاوزت تداعيات الحرب الراهنة حدود السياسة لتستهدف مباشرة عمق الحياة اليومية للمواطن عبر تدهور قياسي وغير مسبوق في قيمة الجنيه السوداني وموجات تضخم طاحنة وتوقف شبه كامل للإنتاج الوطني ومصادر الدخل.
ان الحديث عن الاقتصاد يجب الا يكون كلاما فكرياً أو أرقاماً صماء في النشرات الإخبارية، انما بات مسألة وجودية مباشرة ترتبط بصحن الطعام وعلبة الدواء وقدرة الإنسان على الصمود والتوائم مع ضغوط المعيشة يومياً.
ولو كُتِب لمؤسس علم الاقتصاد الحديث “آدم سميث” أن يحدثنا اليوم بلسان سوداني لتقديم روشتة إسعافية عاجلة لخروج البلاد من هذه الكبوة، لكان أول ما يدونه هو العودة للقاعدة الذهبية القائلة بأن الإنتاج هو الغطاء الحقيقي والوحيد لأي عملة.
إن التعافي لا يبدأ بالمساعدات أو الاستدانة بل بتركيز كافة الجهود نحو الزراعة ولقمة العيش، إذ لا نحتاج في هذه اللحظة الحرجة إلى مشروعات عملاقة معقدة أو مجاراة العالم المتقدم في أي شئ ، بل إلى زراعة كل شبر متاح لتأمين السلع الغذائية الاستراتيجية كالمحاصيل والزيوت، لأن كل ما ننتجه داخل حدودنا هو خط دفاع مباشر يحمي الجنيه من التهاوي ويوفر النقد الأجنبي، إلى جانب ضرورة اتخاذ إجراء صارم بكبح طبع العملة دون غطاء إنتاجي، وحسم المضاربات العشوائية في سوق الصرف، ومحاربة التهريب خصوصا الذهب ، مع فتح أبواب التسهيلات البنكية العاجلة لصغار المزارعين والحرفيين لضمان دورة اقتصادية حية في المجتمعات المحلية.
وتستدعي هذه المرحلة الحرجة أن تدير الدولة الأزمة بحكمة النظريات وتطبيقات الواقع، حيث يفرض التوجيه الاقتصادي في أوقات الكوارث الاستعانة بآليات اقتصاد الحرب عبر التطبيق المباشر (للمنهج الكينزي ) من خلال التدخل الحكومي لتأمين الحماية الاجتماعية وتوفير السلع الأساسية، وتسهيل حركة البضائع بين الولايات بمنع الإتاوات والرسوم غير القانونية، فضلاً عن خفض الرسوم والجمارك والضرائب كلياً عن مدخلات الإنتاج الزراعي والحيواني لتشجيع زيادة المعروض وتقليل التكلفة على المستهلك النهائي، مع محاربة تجار الأزمات والسوق الموازي لإيصال المساعدات والسلع بالأسعار الحقيقية.
وعلى الضفة الأخرى يقف المستهلك في خط الدفاع الأول بطلاً حقيقياً عبر ما فرضته الظروف من ترشيد قسري، غير أن الفطنة تقتضي تحويل هذا الضغط الاضطراري إلى سلوك إيجابي منظم يستند إلى مصفوفة أولويات حاسمة داخل الأسرة، تبدأ بالتركيز التام على دائرة البقاء بتوجيه الموارد المتاحة كلياً للضروريات التي لا تقبل التأجيل كالغذاء والدواء والماء والكهرباء، ثم دائرة التكيف التي تشمل التعليم والالتزامات الاجتماعية عبر تقليص النفقات الجانبية والاعتماد الكامل على البدائل المحلية الأقل تكلفة، وصولاً إلى دائرة التأجيل بالتجميد التام لجميع أشكال الشراء الآجل والكماليات والمصاريف الترفيهية التي ترهق ميزانية الأسرة المستقبلية.
إن عبور السودان لهذه الأزمة الاقتصادية الطاحنة ليس معجزة مستحيلة، ولكنه يتطلب معادلة متكاملة أطرافها دولة تنتج وتضبط السياسات بصرامة ومواطن يعي واقع المرحلة ويدير موارد بيته بحكمة وتكافل مع مجتمعه، فإعادة العافية للمعاش اليومي وحماية الجنيه يستلزمان أن تحل إرادة العمل والترشيد محل العجز والاستكانة لنصل جميعاً إلى بر الأمان.
تذكرة مهمه :
أيها الأخوة والأخوات، دعونا نتذكر في زحام هذه الأزمة الاقتصادية أن رزقنا ليس مرهوناً بشاشة أسعار ولا بقيمة “دولار طار أو ارتفع”، بل هو بيد ملك الملوك، رب السماوات السبع والأرضين، الغني المغني الجبار الذي تكفّل بأرزاق العباد. إن تداول الخوف ونشر السلبية والإحباط وتبادل الأخبار الشائمة مع كل قفزة للعملات ينافي جوهر عقيدتنا الإسلامية السمحة وحسن ظننا بالله؛ فالخوف لا يجلب رزقاً والحزن لا يرد قضاءً. لنكن عوناً لبعضنا بالكلمة الطيبة، ولنواجه هذه الظروف بالعمل، والترشيد، واليقين الصادق بأن الفرج قريب، وأن من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى