الأخبار المحلية

حريق السودان… من ملفات معركة الكرامة (2)

عميد (م) عمر صديق البشير

مقدمة الكتاب
حريق السودان ومعركة الكرامة
شهد السودان في تاريخه الحديث سلسلة من الحروب الداخلية وكانت الحرب الأولي قد بدأت عندما إندلع التمرد في جنوب السودان في العام 1955م قبل أن ينال السودان استقلاله وإستمرت حتى عام 1972 وتوقفت بناء علي توقيع إتفاقية سلام أديس أبابا بين الحكومة السودانية وحركة الانانيا المتمردة وفي تلك الفترة تعاقبت علي السودان حكومات الديمقراطية الأولي ثم نظام عبود العسكري ثم الديمقراطية الثانية ثم حكومة مايو العسكرية ثم كانت الحرب الثانية بسبب تمرد الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة العقيد الدكتور جون قرنق في الفترة (1983 – 2005) وإنتهت بتوقيع إتفاقية السلام الشامل في نيفاشا والتي أفضت الي انفصال جنوب السودان في العام(2011) وهي كذلك تزامنت مع جزء من فترة مايو العسكرية ثم الديمقراطية الثالثة ونصف فترة حكومة الإنقاذ التي إستلمت السلطة بإنقلاب عسكري عام 1989م وأخيرا كانت حرب دارفور (2003) والتي إستمرت بصورة حادة حتي 2020م بعد توقيع إتفاقية جوبا للسلام ولازالت هنالك حركتين متمردتين هما حركة عبد الواحد محمد نور والحركة الشعبية جناح الحلو.
ومن الملاحظ أن ظاهرة الحروب الأهلية في السودان تمثل امتدادا للظواهر المشابهة في العالمين العربي والإفريقي حيث تسود الهشاشة وعدم المؤسسية وتكثر التدخلات الخارجية   التي تعمل علي إطالة عمر الحروب عبر إمداد الأطراف المتحاربة بالسلاح وتقوية أسباب الخلاف بين الفئات المتصارعة وإستخدامها كقطع الشطرنج في طاولة الصراع الدولي والإقليمي وفي هذا السياق جاءت محاولة حريق السودان وهنالك عدة عوامل جعلت الدول الغربية وإسرائيل والإمارات تستهدف السودان اهمها ذلك الموقع الإستراتيجى الذي يجعله جسرًا يربط بين شمال أفريقيا وجنوب الصحراء وشرقها وغربها وبين الجزيرة العربية وإفريقيا ولذلك ظلت الأحداث السياسية في السودان ترتبط وتتأثر بالعلاقات مع الدول الكبرى مثل أمريكا وروسيا و الصين وأوروبا و أيضا من أسباب إستهداف السودان يتمتع بقدر وافر من الثروات الطبيعية الهائلة التي يذخر بها مثل الأراضي الزراعية الشاسعة والمياه الوفيرة والثروة الحيوانية الكبيرة التي جعلته يكون مرشحا لسلة غذاء العالم كما يملك إحتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي والنفط والمعادن المختلفة وبسبب تاريخه الضارب في القدم منذ مملكة كوش مما يجعله يحوز علي عنصر بشري متفرد ومتشيع بالقيم الحضارية الفاضلة ولكل ذلك عملت القوي الخارجية منذ الاستقلال علي الحيلولة دونه ودون المضي في طرق التنمية والإستقرار والتقدم وجعلته يتقلب بين ناري النزاعات الداخلية والتدخلات الخارجية التي ظلت تتفاعل منذ الاستقلال ولم تترك فرصة او راحة للسودان ليلتقط انفاسه ويعمل علي التخطيط للتمتع بإستقرار سياسي و أمني واقتصادي وذلك لأنه هنالك قادة في العلاقات الدولية تسمي معضلة الامن وتعني أن أي دولة يجب الا تترك لتسير في طريق القوة والنهضة لانها ستصبح مهدد أمني للدول أخرىالأخرى ولهذ طلت بلادنا واقعة تحت تأثير كثير من الجهات المعادية والتي تعمل بصورة مباشرة اوغير مباشرة بمعاونة بعض الدوائر والمؤسسات الدولية والإقليمية التي تعرف الا عمليات الهدم والتخريب
ويمكن إرجاع أسباب إستهداف السودان من قبل الصهيونية العالمية التي تمثلها الدول الغربيةالي عدة جوانب ومنها أسباب دينية واردة في كتاب العهد القديم(التوراة) تشير إلي أن السودان سيكون فاعلا في المعارك الحتمية التي ستجري في نهاية الزمان بين المسلمين واليهود ومنها جوانب تتعلق بالطماع في الموارد الطبيعية والموقع الجيوإستراتيجى ومن شواهد ذلك أن الراحل اللواء الركن دكتور محمد العباس أستاذ الدراسات الإستراتيجية في جامعة الزعيم الازهري كان يقول في محاضراته لطلاب الدراسات العليا أن قائد القوات الأمريكية في تحالف عاصفة الصحراء في حرب الخليج الأولي عندما ذهب إلي قائد الجيش الأمريكي في غرفة العمليات الرئيسة ليستلم مهامه أصابته الحيرة عندما القي عليه قائد الجيش الأمريكي محاضرة عن طبوغرافيا السودان بدلا عن منطقة الجزيرة العربية حيث تدور المعركة حينئذ ولذلك ظلت الدوائر الأمريكية والصهيونية في حالة عداء دائم للسودان ويحكي مهندس سوداني انه التقي في محل لبيع المشروبات الكحولية في لندن في أواخر السبعينات من القرن الماضي مع مهندس أمريكي كان يعمل في وكالة ناسا للفضاء وكان مخمورا و في ذلك الوقت أعلن الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري عن اكتشاف البترول في السودان فقال له المهندس الأمريكي لا تفرحوا ورغم أن لديكم إحتياطيات ضخمة جدا من البترول والغاز الطبيعي إلا أن هنالك قرار أمريكي يقضي بمنع استخراجها واستغلالها إلا بعد خمسين عاما من الآن .
وحثي لا ينهض السودان ظل يعيش في دوامة الحروب والنزاعات الأهلية والتي أقعدته عن ركب التنمية والتقدم لفترة طويلة وقد كانت سياسة السودان الخارجية في عهد مايو قد تحولت من المعسكر الشرقي إلي المعسكر الغربي ثم جاءت تجربة تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية مما جعل الغرب يتبني سياسات معادية للسودان وقام بتبني ودعم حركة التمرد في الجنوب وجاءت فترة الديمقراطية الثالثة وذهبت حكومتها إلي مناصبة مصر العداء والتي كانت تمثل اللاعب الإقليمي الهام في المنطقة وتقاربت مع النظام الليبي الذي كان معاديا للغرب و جاءت حكومة الإنقاذ الوطني وطرحت مشروع نهضوي قائم علي الخطة الإستراتيجية القومية الشاملة والتي كانت تمثل خطة طموحة و تهدف إلي وضع السودان في مقدمة الأمم ولكن صاحبتها ظروف طرح مفاهيم تصدير الثورة والتقارب مع ايران ثم الوقوف مع دول الضد فيما يتعلق باحتلال الكويت وقد تزامن ذلك مع نهاية الحرب الباردة وبداية النظام العالمي الجديد الذي تسيدته الولايات المتحدة الأمريكية ومع صعود نجم المحافظين الجدد فيها ورواج أطروحاتهم الفكرية وتصدرها لسياسات النظام العالمي الجديد مثل صراع الحضارات ونهاية التاريخ ولكل ذلك أصبحت حكومة الإنقاذ الوطني تعيش في عزلة إقليمية ودولية وتم وضعها في قائمة الدول الراعية للإرهاب في عام 1993م قبل أن تستضيف أسامة بن لادن ولكن لأنها استضافت المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي والذي كان يضم الحركات الإسلامية وأحزاب القومية العربية وهي جميعها كانت في حالة عداء مع الغرب لذلك تمت محاصرتها بالعقوبات والقرارات الدولية ورغم ذلك تقدمت بالسودان في مجالات التنمية الاقتصادية من حيث تطوير البنيات التحية من طرق وإتصالات وكهرباء وتمكنت من استخراج البترول ودخلت طريق التطور الصناعي وخاصة في مجالات التصنيع الحربي وبدأت خطوات للاكتفاء الذاتي من القمح وغيرت من مرتكزات السياسة الخارجية وجعلت الطرح الإسلامي شانا داخليا و تحولت إلي تبني سياسة خارجية تقوم علي المصالح المشتركة وقد تم كل ذلك بناء علي توصيات مؤتمر الدبلوماسية الذي انعقد في الخرطوم عام 1997م وتحقق بعض التقارب والتحسن في العلاقات في المجالين الإقليمي والدولي ولكن بسبب انفجار أزمة دارفور في عام 2003 وما تلاها من قرارات وعقوبات دولية وبعد أن تم وضع السودان في قائمة الدول المارقة عن النظام الدولي تحركت القوي الغربية وطرحت مشروع الانتقال المتحكم فيه مع تهيئة الأجواء إلي سيولة أمنية تنذر أو تؤدي إلي تفكيك مؤسسات الدولة وتفكيك السودان وفي هذا الإطار جاء مشروع الثورة الملونة والتي كان وقودها الشباب وبعض قيادات حكومة الإنقاذ وما أن تم تغيير نظام الحكم حتى قامت تلك الجهات باختطاف الثورة وإبعاد كل الفاعلين الذين تسببوا فيها ولذلك كانت مجزرة فض الاعتصام للتخلص من قيادات الثوار الذين كانوا يطرحون شعارات الحرية والسلام والعدالة و لان القوي الغربية لاتريد قيادة من الأحرار المخلصين لوطنهم تم إستبدالهم بعملاء أجهزة المخابرات الغربية الذين لا يعرفون الشعب السوداني ولا يعرفهم وبسبب غربتهم الفكرية والسياسية وعدم تمثيلهم للشعب السوداني لم يستطيعوا تسيير دفة الحكم وعجزوا عن إدارة الدولة وفلتت الأمور من بين أيديهم وساءت الأحوال الاقتصادية والسياسية والأمنية ولذلك تدخلت تلك الجهات مرة أخري ووجهت ممثليها وعملاءها لتهيئة الأجواء لإشعال هذه الحرب التي صمموا أهدافها في حريق السودان وتدمير بنيته التحتية وتهجير أهله لإحداث تغيير ديمغرافي يتيح لهم تغيير تركيبة الشعب السوداني واعدوا العدة اللازمة لتحقيق أهدافهم الشيطانية بتوفير الآلاف من المرتزقة والسلاح والأموال التي قاموا بضخها دعما للمليشيا المتمردة في حربها ضد الشعب السوداني وكانت طبيعة الحرب مختلفة عن كل الحروب والنزاعات في المنطقة لأن الإعداد لها بدا منذ وقت بعيد حينما بذروا أسباب التمرد في دارفور المتمثلة في جلب ظواهر الجنجويد والنهب المسلح من وراء الحدود لغرس روح الكراهية والعنصرية وغدت دارفور منطقة اشتعال ذاتي بسبب نزاعات الموارد وكان ذلك بمثابة التجربة الأولية لمفهوم الفوضى الخلاقة ليتم تعميمها فيما بعد علي كل السودان وهكذا تم تصميم شروط وأسباب هذا الحريق ولكن تحطمت كل المؤامرات والدسائس وأصبحت حسرة عليهم وغصة في قلوبهم بسبب وحدة واصطفاف مختلف مكونات الشعب السوداني ووقوفهم بقوة خلف القوات المسلحة والقوات النظامية أخرىالأخرى والقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح والمقاومة الشعبية مما شكل مظهرا فريدا لبيان القوة الكامنة في الشعب السوداني وأصبحت هذه اللحمة الوطنية والكتلة الصلبة هي صمام الأمان وحائط الصد القوي الذي تكسرت عنده كل المؤامرات وبفضل وجود قيادة مشبعة بالقيم الوطنية ولها قدرات كبيرة من الخبرة وتأهيل في كافة ولذلك كانت أجابتهم حاسمة في ميادين القتال وقالوا لهذه الدوائر الشريرة والمؤسسات الخبيثة أن الشعب السوداني صاحب وعي وحضارة وتاريخ وقدم تضحياته وبطولاته في معركة الكرامة من أجل المحافظة علي وحدته وترابه وسيادته وهزم كل باطلهم وأباطيلهم وجعلها هباء منثورا وإستطاع إطفاء حريق السودان وتحطيم المؤامرات المحلية والدولية وسوف يتم تناول كل ذلك في ثنايا هذا الكتاب الذي يحتوي علي مقدمة وثلاثة ابواب وخاتمة
جاء الباب الأول من الكتاب تحت عنوان أسباب الحريق وهو يحتوي علي ثلاثة فصول بحيث نتطرق في الفصل الأول إلي إستعراض للواقع السياسي والأمني وفي البداية نحاول أن نعطي نبذة مختصرة حول ملامح القوي السياسية في البلاد ثم نتناول شذرات من تاريخ القوات النظامية الرئيسية في البلاد وهي القوات المسلحة السودانية وقوات الشرطة وجهاز المخابرات العامة مع تناول طبيعة ومهام كل منها مع الإشارة إلي القوات المشتركة لحركات الكفاح المسلح والمقاومة الشعبية ونستعرض كذلك طبيعة قوات الدعم السريع قبل تمردها ووضعها القانوني بعد التمرد وفي الفصل الثاني نلقي نظرة علي نشأة الجنجويد وارتباط ذلك بتأسيس الدعم السريع والعلاقة بتنظيم التجمع العربي ومشروع توطين عربان الشتات في السودان وعلاقة المتمرد حميدتي بالحركة الإسلامية التي يدعي انه يحاربها ثم نتناول قي الفصل الثالث كيف تمت صناعة وتفصيل الإتفاق الإطاري والذي أصبح يمثل السبب المباشر لإندلاع الحرب
واما الباب الثاني فهو عن يوميات حرب الكرامة وخاصة في ايامها الأولي والتي تحدد طبيعة وإتجاهات الحرب ولذلك جاء الفصل الأول منه للنقاش حول من اطلق الرصاصة الأولي واوردنا فيه االادلة والحجج التي توضح من الذي كان مستعدا للحرب وفي الفصل الثاني تناولنا يوميات الإنقلاب الفاشل الذي خططت له الجهات الراعية للمليشيا واخيرا اوردنا في الفصل الثالث بعض من معالم الهدن التي اعقبت إندلاع الحربوالمفوضات التي افضت إلي توقيع اعلان جدة وغيرها من المبادرات التي انطلقت من الدول الصديقة والمنظمات من أجل ايقواف الحرب .
وفي الباب الباب الثالث نستعرض فيه اطوار الحريق ومراحله المختلفة واثار التدخل الخارجي فيه من تدخلات سالبة او موجبة من قوي صديقة وفي الفصل الأول نتناول تمدد المليشيا وخروجها من العاصمة إلي مناطق الجزيرة وسنار وولايات دارفور وفي الفصل الثاني تناولنا معالم الانهيار الذي اصيبت به المليشيا واشارات هزيمتها وفشل مشروعها لتوطين عربان الشتات في السودان وتهجيلر مواطنيه لصالح دولة القبيلة التي تقودها اسرة المتمرد حميدتي وبعد ذلك تطرقنا في الفصل الثالث الي العوامل الخارجية والتي توضح ادوار القوي الخارجية والمنظمات الدولية والإقليمية في الحرب وفي الختام اورنا خاتمة الكتاب مع بعض المراجع التي إستعنت بها في الكتاب

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى