بريق العابرين* *رائد دكتور – هشام الشيخ العوض* *حرب المعلومات.. عندما يصبح الهاتف سلاحًا ضدك

مع التطور التكنولوجي السريع والطفرة المعلوماتية الهائلة التي يشهدها العالم اليوم، ابتعد كثير من الناس عن وسائل الإعلام التقليدية، واتجهوا إلى الإعلام الإلكتروني باعتباره الأسرع في نقل الأخبار والمعلومات. وأصبح الهاتف المحمول يلعب دورًا محوريًا في هذا التحول، حيث بات من النادر أن تجد شخصًا لا يمتلك هاتفًا ذكيًا يحتوي على جميع التطبيقات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي. ولم يعد الهاتف مجرد وسيلة اتصال، بل تحول إلى منصة إعلامية متكاملة يأخذ منها الناس أخبارهم ويعتمدون عليها في معرفة المستجدات. فبمجرد سماع أي خبر، يتجه المستخدم فورًا إلى هاتفه للتحقق من صحته أو البحث عن تفاصيل إضافية.
ورغم ما تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي من مزايا عديدة، مثل إتاحة المعلومات بسرعة فائقة وتوفير مساحة واسعة للتفاعل والتعبير عن الرأي، إلا أنها تحمل في طياتها مخاطر كبيرة، لعل أبرزها انتشار الأخبار المضللة والإشاعات المغرضة. وهنا، قد يتفوق الإعلام التقليدي – كالتلفاز والإذاعة والصحف الورقية – من حيث الدقة والمصداقية، نظرًا لالتزامه بمعايير مهنية واضحة، وحرصه على التحقق من صحة الأخبار قبل نشرها، بعيدًا عن التهويل أو التشهير أو الترويج لمعلومات غير دقيقة، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأمنية والعسكرية. وعلى العكس، يعتمد الإعلام الإلكتروني، وخاصة منصات التواصل الاجتماعي، على السرعة الفائقة في نقل الأخبار، لكنه في كثير من الأحيان يفتقر إلى التدقيق والتحقق، مما يجعله بيئة خصبة لنشر المعلومات المغلوطة والشائعات التي قد تؤدي إلى عواقب خطيرة.
وللأسف، أصبح الاستخدام السيئ لهذه الوسائل ظاهرة متفشية، بعضها يتم عن قصد، في إطار حملات تضليلية ممنهجة، والبعض الآخر يتم بعفوية وسذاجة من قبل المستخدمين الذين لا يدركون خطورة ما ينشرونه. وهنا تكمن الكارثة، إذ إن تداول المعلومات الحساسة دون وعي قد يكون أكثر خطورة من الحرب العسكرية نفسها، خاصة إذا وقعت هذه المعلومات في الأيدي الخطأ.
لقد أدركت مليشيا “الدعم السريع” الإرهابية الأثر الكبير لهذه المنصات، فسخّرتها بشكل مدروس لنشر سمومها وبث الإشاعات التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار وإضعاف الروح المعنوية للمواطنين. وبسبب غياب الوعي لدى بعض المستخدمين، تنتشر هذه الأكاذيب كالنار في الهشيم، حتى يصدقها الناس دون تفكير، مما يؤدي إلى نشر الإحباط واليأس بين المواطنين دون أن يدركوا أنهم بذلك يخدمون أهداف هذه المليشيا. أصبح الكثيرون يستهلكون المعلومات دون تدقيق، ويتداولون الأخبار دون التأكد من صحتها أو التفكير في منطقيتها، مما يجعلهم شركاء – عن غير قصد – في الحرب النفسية التي يشنها العدو.
والأخطر من ذلك، قيام البعض بتصوير القوات المسلحة والقوات المساندة لها أثناء أداء مهامها في مناطق العمليات، ثم نشر هذه الصور والفيديوهات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم أن البعض يعتقد أن هذا التصرف يُسهم في رفع الروح المعنوية، إلا أنه في الواقع يشكل تهديدًا أمنيًا خطيرًا، إذ يتيح للعدو معلومات استخباراتية ثمينة عن مواقع القوات وخطط تحركاتها، مما يسهل عليه استهدافها أو نصب الكمائن لها. وبذلك، قد يكون المواطن البسيط – دون أن يدري – قد قدم خدمة مجانية للعدو وساهم في إضعاف قواته بدلًا من دعمها.
لهذا، نناشد جميع المواطنين ضرورة التحلي بالوعي والمسؤولية وعدم تصوير أو نشر أي معلومات تتعلق بالقوات المسلحة أو تحركاتها، فهذه الحرب ليست فقط حرب سلاح، بل هي أيضًا حرب معلومات. والتوثيق والاحتفال بالنصر سيأتي وقته قريبًا بإذن الله. كما نرجو الاعتماد فقط على المصادر الرسمية المعتمدة من الحكومة أو القوات المسلحة عند الحصول على الأخبار والمعلومات، وعدم الانجرار وراء الشائعات التي تهدف إلى بث الفوضى وزعزعة الاستقرار. فالوطن بحاجة إلى وعي أبنائه، ومواجهتنا للعدو لا تقتصر على ميدان المعركة، بل تمتد أيضًا إلى ساحة الإعلام، حيث يمكن للمعلومة أن تكون سلاحًا قاتلًا إذا أسيء استخدامها.



