الأخبار المحلية

حين ينهار المعلم.. من يُنقذ التعليم؟

بروفيسور بله احمد بلال

في الأوطان التي تبحث عن النهضة، يبدأ السؤال من المدرسة، ويبدأ الإصلاح من المعلم. فالأمم لا تُبنى بالإسمنت وحده، ولا تُصنع بالخطابات والشعارات، وإنما تُبنى بالعقل الذي يُشكّله التعليم، وبالإنسان الذي يصنعه المعلم.
لكن ماذا يحدث حين يصبح المعلم نفسه منهكاً، مُثقلاً بالخذلان، فاقداً للقدرة على الاستمرار؟
هذا السؤال لم يعد افتراضاً فكرياً، بل واقعاً يومياً يعيشه كثير من المعلمين، ممن حملوا رسالة التعليم سنوات طويلة، ثم وجدوا أنفسهم أمام واقع يستهلك أعمارهم ولا يمنحهم الحد الأدنى من التقدير أو الاستقرار أو الأمل.
من داخل هذه المعاناة تأتي تجربة المعلم شيخ إدريس الريح، الذي أمضى عشرين عاماً في ميدان التعليم، متنقلاً بين السبورة والدفاتر والامتحانات ومتابعة الطلاب، حاملاً همّ الرسالة بإخلاص، قبل أن يجد نفسه واقفاً أمام سؤال موجع: هل ما زال التعليم يسير في الطريق الصحيح؟
إن أزمة التعليم ليست أزمة معلم فحسب، وليست قضية راتب أو حوافز فقط، رغم أهميتها. القضية أعمق من ذلك؛ إنها أزمة رؤية، وأزمة إدارة، وأزمة أولويات.
فكيف يمكن أن ينهض التعليم بلا خطط مستقرة؟ وكيف يُطلب من معلم أنهكته الأعباء الاقتصادية والنفسية أن يصنع الإبداع داخل الفصل؟ وكيف ننتظر طالباً متميزاً بينما البيئة التعليمية نفسها تعاني الارتباك والتغيير المستمر والقرارات المتذبذبة؟
لقد أصبح كثير من المعلمين يعيشون حالة استنزاف يومي؛ ساعات طويلة من التدريس، وتصحيح، ومناوبات، ومسؤوليات متزايدة، في مقابل ظروف معيشية قاسية، وشعور متنامٍ بأن المجتمع وصانع القرار لم يعودا يريان في المعلم ما كان يمثله من قيمة وهيبة واحترام.
لكن الخسارة الحقيقية لا تقع على المعلم وحده.
الطالب هو الخاسر الأكبر.
فالطالب الذي يدخل فصلاً مزدحماً، أو يواجه نظاماً تعليمياً مرتبكاً، أو يتلقى تعليماً من معلمٍ مُجهدٍ ومحبط، هو في النهاية ضحية واقع أكبر منه. وحين تضعف جودة التعليم، فإن الوطن بأكمله يدفع الثمن، ولو بعد سنوات.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس الفقر الاقتصادي وحده، بل الفقر في بناء الإنسان.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: لا يمكن إصلاح التعليم دون إنصاف المعلم.
إنصافه لا يعني زيادة راتب فحسب، رغم أهميتها، وإنما يعني إعادة الاعتبار لمكانته، وتأهيله المستمر، وإشراكه في القرار التعليمي، وتوفير بيئة عمل تحفظ كرامته وتمنحه القدرة على العطاء.
فالمعلم ليس رقماً في كشف الحضور والانصراف، وليس موظفاً عادياً يؤدي مهمة روتينية. المعلم هو الذي يزرع القيم، ويُشكّل الوعي، ويصنع الطبيب والمهندس والقاضي والضابط والمفكر.
ومن المؤلم أن يشعر من يحمل هذه الرسالة السامية بأنه يقف وحيداً في مواجهة واقع يتآكل فيه التعليم عاماً بعد عام.
هذه الكلمات ليست دعوة إلى اليأس، ولا محاولة لإلقاء اللوم على جهة بعينها، لكنها نداء صادق إلى كل من له يد في التعليم:
إلى المسؤول، وإلى واضع السياسات، وإلى المجتمع، وإلى أولياء الأمور، وإلى كل من يدرك أن مستقبل الأمم يبدأ من داخل الفصل الدراسي.
إن التعليم لا يحتمل مزيداً من التجريب، ولا يحتمل المزيد من الوعود المؤجلة. فكل عام يمر دون إصلاح حقيقي هو خصم مباشر من عمر الوطن ومستقبل أجياله.
إن إنصاف المعلم ليس مطلباً فئوياً، بل قضية وطنية بامتياز. لأن الوطن الذي يُضعف معلمه، إنما يضعف مستقبله بيده.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع:
إذا انهار المعلم… فمن يُنقذ التعليم؟
البروفيسور بله أحمد بلال أحمد
استناداً إلى تجربة المعلم: شيخ إدريس الريح

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى