
ليست كل الذكريات محطاتٍ للحزن، فبعضها يختزن في قلب المأساة حكايات الصمود، ويكتب في سجل الشعوب صفحاتٍ لا تمحوها السنوات. وبينما ينشغل كثيرون بالكتابة عن الذكرى الأولى لسقوط الفاشر وما خلّفته من مآسٍ إنسانية، أجدني أميل إلى الكتابة عن الوجه الآخر للحكاية؛ عن صمود الفاشر، وبطولات أهلها، وعن مدينة تحوّلت من جغرافيا محاصرة إلى رمزٍ لإرادة السودانيين وتمسّكهم بالحياة والوطن.
الفاشر ليست مجرد مدينة سقطت، بل حكاية شعبٍ قاوم، وذاكرة وطنٍ جُرح ولم ينكسر.
في الفاشر، لم تكن المعركة على الأرض وحدها، بل كانت معركة الإنسان من أجل البقاء، والكرامة في مواجهة الخوف، والأمل في مواجهة الموت. هناك، حيث ضاقت سبل الحياة، واتسعت دائرة المعاناة، ظل أهل المدينة يواجهون واقعاً بالغ القسوة، يدفعون أثمان الحرب من أرواحهم وأمنهم وبيوتهم وأحلام أطفالهم. وفي قلب هذه المأساة، برزت معاني الصمود والتضحية، لتصبح الفاشر عنواناً لمعاناة السودان كله، لا لأهل دارفور وحدهم.
إن استحضار ذكرى الفاشر لا ينبغي أن يتوقف عند لحظة السقوط، بل يجب أن يمتد إلى قراءة أعمق لما جرى، وما كشفته الحرب من اختلالات في المواقف الإقليمية والدولية، ومن عجزٍ عن توفير الحماية الكافية للمدنيين، ومن أسئلة مؤلمة حول جدية الالتزامات المعلنة بحماية حقوق الإنسان وصون الكرامة الإنسانية.
فأين كانت أصوات العالم حين اشتد الخناق على الفاشر؟
وأين كانت الفاعلية الدولية التي طالما بشّرت بحماية المدنيين، ورفض الانتهاكات، والانتصار للحرية والكرامة؟ وأين كان أصحاب النفوذ والقدرة على التأثير، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومسعد بولس، وسائر القوى التي تمتلك أدوات الضغط الدبلوماسي والسياسي؟
إن السؤال هنا ليس عن التصريحات وحدها، بل عن أثرها على الأرض: ما الذي بُذل فعلياً لوقف الانتهاكات، وحماية المدنيين، والضغط على الجهات التي يُتهم بعضها بدعم أطراف الحرب؟ وما الذي تحقق لمنع استمرار تدفق السلاح والإمدادات التي تطيل أمد الصراع؟ تلك أسئلة مشروعة لا تجيب عنها البيانات، بل تجيب عنها المواقف العملية والنتائج التي يلمسها السودانيون في حياتهم اليومية.
لقد أعادت الفاشر إلى الواجهة قضية حرب الوكالة، وما يثار بشأن ارتباط الصراع السوداني بتدخلات خارجية ومصالح تتجاوز حدود البلاد. وإذا كان السودان يواجه حرباً تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، فإن حماية سيادته تتطلب موقفاً وطنياً موحداً، كما تتطلب شفافية في كشف مصادر الدعم العسكري، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، بعيداً عن التعميم أو الاكتفاء بالشعارات.
ولا يمكن الحديث عن مأساة الفاشر من دون التوقف أمام ما تعرّض له المدنيون من قتل ونزوح وانتهاكات، وما واجهته الأسر من خوف وفقدان وتشريد. فخلف كل رقم إنساني قصة أمٍّ تبحث عن طفلها، وأبٍ فقد بيته، وأسرةٍ تفرّقت بها طرق النزوح، وطفلٍ حُرم من المدرسة والأمان. هؤلاء ليسوا تفاصيل هامشية في رواية الحرب، بل هم جوهر القضية، وهم المعيار الحقيقي الذي ينبغي أن تُقاس به مواقف العالم.
إن الفاشر، بما شهدته من حصار ومعارك ومأساة إنسانية، كشفت أن الحديث عن الحرية والكرامة يفقد معناه حين لا يتحول إلى حماية فعلية للإنسان. كما كشفت أن صمت العالم أو محدودية استجابته لا يمرّان بلا ثمن؛ فكل يوم تتأخر فيه حماية المدنيين، تتسع دائرة الألم، وتتعمق جراح المجتمع السوداني.
لكن الفاشر، في وجدان السودانيين، لن تختصرها لحظة السقوط، ولن تختزلها صور الدمار والنزوح. ستظل حاضرة بما قدّمه أهلها من صبر وتضحيات، وبما أظهره السودانيون من تضامن مع مدينةٍ رأوا في محنتها صورةً لوطنهم الجريح. وستظل ذكراها دعوةً إلى استعادة الدولة، وحماية المجتمع، وإعلاء قيمة الإنسان فوق حسابات السلاح والسياسة.
وفي هذه الذكرى، لا يكفي أن نرثي الفاشر، بل علينا أن نتمسك بحق أهلها في الأمن والعودة والحياة الكريمة، وأن نطالب بتحقيق العدالة للضحايا، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، ووقف كل أشكال الدعم الذي يسهم في استمرار الحرب. فالوطن لا يُبنى بالانتقام، ولا تستعاد عافيته بتوسيع دائرة الكراهية، وإنما بإقامة دولة القانون، وصون وحدة السودان، وردّ الحقوق إلى أصحابها.
أما القوات المسلحة السودانية، فهي مؤسسة وطنية تقع على عاتقها مسؤولية الدفاع عن البلاد وحماية سيادتها، إلى جانب واجب حماية المدنيين والالتزام بالقانون. ويبقى الأمل معقوداً على أن تنتهي هذه الحرب باستعادة الأمن والاستقرار في جميع أنحاء السودان، وأن يتمكن النازحون واللاجئون من العودة إلى مدنهم وقراهم، وأن تستعيد الفاشر مكانتها مدينةً للحياة والعلم والثقافة، لا عنواناً للحصار والموت.
إننا لا نكتب اليوم لنحتفي بالموت، ولا لنحوّل أوجاع السودانيين إلى مادة للمزايدات، بل لنؤكد أن ذاكرة الفاشر أمانة، وأن دماء الضحايا لا ينبغي أن تضيع بين المصالح الدولية والحسابات السياسية. فكل انتصار حقيقي للسودان يبدأ بحماية إنسانه، واستعادة دولته، وتوحيد إرادته، وفتح الطريق أمام سلامٍ عادل يحفظ الحقوق ويصون الكرامة.
وستظل الفاشر، مهما طال ليل الحرب، جزءاً أصيلاً من وجدان السودان. وسيظل الأمل قائماً في يومٍ تعود فيه الحياة إلى شوارعها، ويعود أطفالها إلى مدارسهم، وتلتئم أسرها بعد طول فراق، وترتفع أصوات الناس فيها بالغناء والعمل والبناء بدلاً من أصوات الرصاص.
الفاشر ليست ذكرى سقوط فحسب؛ إنها امتحانٌ لضمير العالم، وشاهدٌ على صمود الإنسان السوداني، وعهدٌ بأن يبقى الوطن واحداً، وأن تكون كرامة أهله هي الغاية التي لا تتقدم عليها أي غاية.


