عندما يصبح الراتب سؤالاً عن العدالة مخصصات المناصب العليا. وأجور الكادحين. أين يقف ميزان الإنصاف .
بروفيسور بله احمد بلال

في زمن الأزمات لا تقاس قوة الدولة فقط بقدرتها على إدارة مواردها وإنما تقاس كذلك بقدرتها على ترتيب أولوياتها بعدالة وإنصاف وبمدى حرصها على تحقيق التوازن بين متطلبات إدارة مؤسساتها والظروف المعيشية للمواطنين.
وفي السودان حيث فرضت الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية واقعاً بالغ الصعوبة على الناس تبدو قضية الأجور والمخصصات واحدة من القضايا التي تستحق نقاشاً هادئاً ومسؤولاً بعيداً عن المزايدة والتجريح وقريباً من سؤال العدالة والإنصاف.
ومن هذا المنطلق تبرز تساؤلات متداولة في المجتمع حول ما ينسب إلى بعض الوظائف العليا من رواتب ومخصصات وامتيازات من بينها مرتب محافظ بنك السودان والمكافآت التي تصرف تحت بعض البنود الاستثنائية ومنها بند الكوارث إلى جانب النثريات والمخصصات المرتبطة ببعض المناصب الدستورية والتنفيذية ومرتبات الوزراء ومديري المؤسسات والهيئات.
ولا يتعلق الأمر هنا بالطعن في استحقاق أي مسؤول أو موظف ولا بالتشكيك في سلامة أي مخصص ما لم تثبت خلاف ذلك الجهات المختصة. فلكل وظيفة مسؤولياتها ولكل موقع متطلباته ومن الطبيعي أن تراعي الدولة طبيعة المسؤوليات وحجم الأعباء.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بكل هدوء هو كيف يمكن تحقيق التوازن بين عدالة استحقاقات الوظائف العليا وبين الأوضاع المعيشية للفئات التي تعتمد بصورة أساسية على راتبها الشهري.
إنه سؤال لا يستهدف شخصاً بعينه وإنما يتصل بصورة أوسع بفلسفة الدولة في إدارة المال العام وترتيب أولويات الإنفاق.
*عدالة الأجور ليست ترفاً.*
إن عدالة الأجور تمثل أحد أهم مظاهر العدالة الاجتماعية داخل الدولة. فالراتب ليس مجرد رقم في كشف المرتبات وإنما هو الوسيلة التي يعيش بها الموظف والعامل وأسرته ويؤدي من خلالها التزاماته تجاه الحياة والمجتمع.
وحين تتراجع القوة الشرائية للأجور بصورة مستمرة بينما تبقى بعض المخصصات والامتيازات في مستويات مرتفعة فإن الفجوة تصبح أكثر وضوحاً وتصبح الحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة الأجور أمراً يستحق النقاش الجاد.
ولا تعني عدالة الأجور أن تتساوى جميع المرتبات بصورة حسابية. فالاختلاف في المسؤوليات والمؤهلات والخبرات وطبيعة العمل أمر طبيعي ومشروع.
لكن العدالة تعني أن تكون الفوارق في الأجور والمخصصات مبررة وواضحة ومتوازنة وأن تتناسب مع الظروف الاقتصادية العامة وقدرة الدولة وأوضاع المجتمع.
الأستاذ الجامعي في مقدمة الأسئلة.
ولعل أساتذة الجامعات يمثلون واحدة من أكثر الفئات التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام في أي مراجعة لمنظومة الأجور.
فالأستاذ الجامعي لا يؤدي وظيفة تقليدية فحسب وإنما يؤدي رسالة تتصل ببناء الإنسان وإنتاج المعرفة وتأهيل الكفاءات التي تحتاج إليها الدولة في مختلف المجالات.
*وفي مرحلة التعافي الوطني تصبح الجامعة أكثر أهمية لا أقل.* فإعادة بناء الدولة لا تبدأ من المباني والمنشآت وحدها وإنما تبدأ من الإنسان ومن المعرفة ومن المؤسسات التي تصنع الكفاءات.
ولهذا فإن تحسين أوضاع الأستاذ الجامعي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مطلباً فئوياً محدوداً وإنما باعتباره استثماراً مباشراً في مستقبل الدولة.
فحين يفقد راتب الأستاذ الجامعي قدرته على مواكبة تكاليف الحياة فإن الضرر لا يتوقف عند حدود الأستاذ وأسرته وإنما يمتد إلى جودة التعليم والبحث العلمي وقدرة الجامعات على الاحتفاظ بالكفاءات.
*الفئات الكادحة تستحق الإنصاف.*
إن الحديث عن عدالة الأجور لا ينبغي أن يقتصر على أساتذة الجامعات وحدهم. فهناك المعلمون والأطباء والمهندسون والباحثون والموظفون والعمال وسائر الفئات التي تعتمد على دخلها الشهري في مواجهة أعباء الحياة.
هذه الفئات تمثل القوة الكادحة التي تتحمل جانباً كبيراً من أعباء الدولة والمجتمع وتواصل أداء واجباتها في ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.
ومن الإنصاف أن تشعر هذه الفئات بأن الدولة ترى معاناتها وتدرك حجم ما تتحمله وأن سياساتها المالية لا تضعف قدرتها على الاستمرار في أداء أدوارها.
فالدولة التي تطلب من مواطنيها الصبر والتضحية وتحمل أعباء المرحلة تحتاج في المقابل إلى أن تقدم نموذجاً واضحاً في ترشيد الإنفاق وتحقيق العدالة في توزيع الموارد.
*المال العام مسؤولية الجميع.*
إن الموازنة العامة ليست مجرد أرقام وبنود وإنما هي تعبير عملي عن أولويات الدولة.
وكلما كانت الموارد محدودة ازدادت الحاجة إلى ترتيب الأولويات بصورة دقيقة وعادلة.
ومن هنا فإن مراجعة منظومة الرواتب والمخصصات والبدلات والنثريات ينبغي ألا ينظر إليها باعتبارها استهدافاً لفئة معينة وإنما باعتبارها جزءاً من الإصلاح المؤسسي وترشيد الإنفاق العام.
كما أن الشفافية في إعلان أسس تحديد الرواتب والمخصصات يمكن أن تسهم بصورة كبيرة في تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
فحين يعرف المواطن لماذا يحصل هذا المسؤول على هذا الاستحقاق ولماذا يحصل ذلك الموظف على استحقاق آخر تصبح الفوارق أكثر قابلية للفهم وتقل مساحة الشك والتأويل.
*التعافي الوطني يحتاج إلى عدالة* .
السودان في مرحلة تحتاج إلى قدر كبير من التضامن الوطني.
والتضامن لا يعني أن يتساوى الجميع في الدخول وإنما يعني أن يشعر الجميع بأن أعباء المرحلة موزعة بصورة عادلة وأن التضحية ليست مطلوبة من فئة واحدة بينما تتمتع فئات أخرى بامتيازات لا تتناسب مع الظروف العامة.
*ومن هنا فإن عدالة الأجور يمكن أن تكون جزءاً من مشروع التعافي الوطني.*
فترشيد الإنفاق لا يعني بالضرورة الانتقاص من حقوق العاملين. كما أن مراجعة بعض المخصصات لا تعني اتهام أصحابها.
المطلوب هو بناء منظومة أكثر اتزاناً تقوم على معايير واضحة وتراعي المسؤولية الوظيفية والظروف الاقتصادية وقيمة العمل وأهمية الدور الذي يؤديه كل موظف في خدمة الدولة والمجتمع.
كلمة أخيرة.
ليس المطلوب أن يتحول النقاش حول الأجور إلى مواجهة بين الموظف والمسؤول أو بين فئة وأخرى.
وليس من الحكمة أن ينظر إلى القضية باعتبارها صراعاً طبقياً أو ميداناً للمزايدات.
المطلوب ببساطة هو حوار مؤسسي هادئ حول عدالة الأجور وترشيد الإنفاق وحماية الكفاءات وإنصاف الفئات الكادحة.
فالدولة التي تستعد لإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها تحتاج إلى أن تبدأ بإعادة بناء الثقة.
والثقة لا تبنى بالكلمات وحدها وإنما تبنى حين يشعر المواطن أن المال العام يدار بمسؤولية وأن الأجور تحدد بمعايير عادلة وأن أصحاب الدخول المحدودة ليسوا الحلقة الأضعف في منظومة الإنفاق العام.
ويبقى السؤال المشروع أمام صانع القرار.
إذا كانت الدولة مطالبة بإعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات فمن يعيد الإنصاف إلى الفئات الكادحة التي تحملت جانباً كبيراً من أعباء المرحلة.
وإذا كان الأستاذ الجامعي هو الذي يصنع الطبيب والمهندس والاقتصادي والقانوني والإداري فمن الذي يصنع البيئة التي تحفظ للأستاذ كرامته وقدرته على الاستمرار في أداء رسالته.
إن إنصاف الأستاذ الجامعي والعامل والمعلم والطبيب والموظف والباحث ليس منة من أحد.
كما أن مراجعة منظومة المخصصات العليا ليست اتهاماً لأحد.
إنها في جوهرها دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات وإرساء مفهوم واضح لعدالة الأجور في مرحلة استثنائية من تاريخ السودان.
*فالأوطان لا تنهض حين تتسع الفجوة بين من يملكون القرار ومن يحملون أعباء العمل.*
وإنما تنهض حين يشعر الجميع أن لهم مكاناً عادلاً في مسيرة التعافي وأن كرامة العامل وقيمة الأستاذ ومكانة الموظف والكفاءة المهنية كلها ثروات وطنية تستحق الحماية والإنصاف.
فماذا تبقى للفئات الكادحة وعلى رأسها أساتذة الجامعات من نصيب يليق بجهدها ورسالتها ودورها في بناء السودان.
