
كروان الغناء الشعبي الأشهر الذائع الصيت الراحل بادي محمد الطيب تميز بالأداء الرجولي وحب الوطن رغم أنه ليس من الرعيل الأول من الفنانين الذين أرسوا دعائم الأغنية الوطنية بشكل خاص والشعبية على وجه العموم ، فقد سبقته حقيبة الفن بمبدعيها سرور وكرومة وابراهيم عبد الجليل وزنقار وعبيد الطيب وحتى عهد الثنائي ميرغني المأمون وأحمد حسن جمعة وثنائي ابي سعد وثنائي ابي كدوك وأولاد شمبات ، ولكن بادي كان ( الحوار الغلب شيخه ) وإسمه الحقيقي هو أحمد المصطفى ويلقب منذ صغره ببادى .
وتقول سيرته الذاتية الموثقة : ولد بادي في العام 1935 بحلة عباس والتي تتبع حالياً لمحلية الكاملين ، درس بالخلوة في صباه وحفظ القرآن الكريم ( ثلاثة عودات ) وتلقى دراسة القرآن على يد جده لأمه الفكي محمد عبدالله وأكمله مع الفكي محمد مصطفى الحلاوي وكان التعليم آنذاك يركز على الخلوة وبدأ جمال صوته ونداوته يظهر في تلك في الفترة بصورة جذبت اليه الأنظار وكان محمد أحمد شقيق بادى فناناً معروفاً في حلة عباس والقرى المجاورة وكان يغني مع كمال الدين الطيب وسعد سعيد بلال كثلاثي وكان بادى أنذاك يدرس بالخلوة ( ويشيل ) معهم ثم ما لبث بادى أن استقل بنفسه فاصبح فناناً معروفاً على نطاق قرى الحلاوين والقرى المجاورة . ويقول بادى انه قد وجد تشجيعاً على الغناء من والده فقد كانت تأتي في اليوم الواحد ثلاث عربات من القرى المجاورة الى حلة عباس طلباً لبادى فى ان يغني لهم . يقول بادى إن والدى كان يبحث عنى ويطلب منى أن أذهب معهم وأشاركهم أفراحهم ، وفي بداياتي الفنية كنت أردد أغنيات من سبقوني. أمثال محمد وردي – إبراهيم عوض – حسن عطيه و عثمان الشفيع إضافة الى ذلك كنت أردد الأغاني السائدة بالمنطقة وهي مزيج من الأغاني الشعبية وأغاني الحقيبة .
لم يكن بادى عندما جاء الى الخرطوم يضع في مخيلته الإنطلاقة الواسعة في عالم الغناء والطرب ولكنه جاء مثل ما يأتي أهل القري الى الخرطوم يبحثون عن فرصة عمل بخلاف الزراعة التى هي الحرفة الرئيسية فى المنطقة, وعمل بادى في عدة مهن قبل أن يستقر به المقام في جامعة الخرطوم حيث عمل فى إحدى كافتيريات الجامعة وكان مدير الجامعة في ذلك الوقت العلامة الراحل البروفيسور عبدالله الطيب وأبرز الفنانين الذين عاصرهم بادى فى تلك الفترة عوض شمبات ، الكابلي وحمد الريح الذي كان يعمل بجامعة الخرطوم وكان بادي يدندن فى أثناء ساعات العمل الشئ الذي استرعى إنتباه الطلبة فأخذوا يلحون عليه في المشاركه عبر المنتديات فاستجاب لرغبتهم وكانت هذه نقطة تحول بالنسبة له .
ويقول بادى أنه قد غنى أغنية قائد الاسطول بالكبريته عام 1961 عبر برنامج أشكال وألوان الذى كان يقدمه للإذاعة أحمد الزبير وكانت أغنية قائد الاسطول من الأغنيات التى يمتحن بها الفنانون الذين يتغنون بالاذاعة لأول مرة ، وقد أدى بادى الأغنيه بصورة رائعة وملفتة للأنتباه فظنه الناس كرومة . يضيف الراحل بادى إن مما عمق صلاته بالأغنية تلك المسابقة التى نظمها أحد محررى مجلة هنا أمدرمان ورصد لها جا ئزة عبارة عن راديو ترانزستر ، ولم يكن بادى ضمن الفنانين المتسابقين على المسرح الذين كان من ضمنهم الرواد الراحلين ” أبوداؤود ،عبيد الطيب ، وصلاح مصطفى ” وكان بادى متفرجاً فوجد نفسه مندفعاً لطلب المشاركة فصفق الجمهور طويلاً لادائه الرائع وحقق المركز الاول وهو غير المصنف حينها . وكان الاستاذ محمد خير مديرا للمسرح القومي آنذاك وفوارى مديرا للإذاعة والجنرال طلعت فريد وزيرا للإعلام .
برع الراحل بادي محمد الطيب في أداء كل أغنيات الحقيبة وزادها ألقا بصوته المميز ، حتى أن الفنان المبدع خالد محجوب محي الدين قال إن أغنية قائد الاسطول قد تغنى بها الكثير من الفنانين ولكن ابدع فيها الفنان بادى محمد الطيب كأنه الربان الاوحد لها ، وهناك العديد من الأغنيات الوطنية لم يسمعها الناس إلا بصوت الراحل بادي ومنها رائعة يوسف مصطفى التني (( في الفؤاد ترعاه العناية بين ضلوعي الوطن العزيز )) .
ويحمد للإذاعة السودانية أنها جعلت من الأغنية سابقة الذكر نشيدا قوميا جديدا طوال سني معركة الكرامة وسارت على دربها إذاعة القوات المسلحة وذاعة مدني المبهجة إف أم 96.6 ببرامجها المتنوعة رغم ظروف الحرب اللعينة .
ورحل بادي محمد الطيب عن دنيانا الفانية في عام 2007 في مدينة أم درمان ، عن عمر ناهز السبعين عاما بعد معاناة شديدة مع المرض ، ونقل جثمانه في موكب حزين الى مسقط رأسه (حلة عباس) بولاية الجزيرة فله الرحمه والمغفره .
خروج أخير
ليت وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة بولاية الخرطوم الأستاذ الطيب سعد الدين يقيم تأبينا كبيرا للراحل بادي بمشاركة مركز الفضاء للثقافة والإعلام ومركز المقرن للخدمات الصحفية وإتحاد فن الغناء الشعبي ودار فلاح لتطوير الأغنية الشعبية يتبارى فيه مطربو الغناء الشعبي من الرواد والشباب مثل عوض الكريم عبدالله وكمال ترباس وحسن شرف الدين وخالد نحل وعصام الجبلابي صاحب الصوت القوي ، وترصد لهم حوافز مالية وتذكارية وتكرم فيه أسرة المحتفى بذكراه .


