قرية (علوان)…. يوم تاريخي للبطاحين في القدرة على حل الخلافات

علوان:أماني أبشر
(نحن أهل القتيل نعلن العفو عن القاتل) بهذه العبارة انتصرت قيمة العفو وسط مجتمع ومكون عرف بالترابط والتسامح وتغلبه خيار التعايش على التناحر. فيوم أمس السبت لم يكن يوما عاديا في قرية (علوان) الهادئة في محلية شرق النيل بولاية الخرطوم، بل كانت هناك تظاهرة اجتماعية، رتب لها (صحفيون من أجل رتق النسيج الاجتماعي)، لأجل غرض نبيل وهو إصلاح ذات البين بين اسرتين واحدة فقدت ابنها والأخرى تورط ابنها في حادث القتل ، وكان الحضور لافتا يتقدمه اللواء ابوعاقلة كيكل قائد قوات درع السودان، والشيخ إسحاق ميرغني نائب رئيس المجلس الأعلى الشيخ إسحاق ميرغني إلى جانب قيادات الحكم المحلي والتنفيذي، وناظر البطاحين منتصر خالد، وعدد كبير من النظار والعمد والقيادات الأهلية وأهل المنطقة ، فضلاً عن إعلاميي مبادرة السلم الاجتماعي.
عند وصولنا القرية، تسابق الجميع للاحتفاء بالضيوف، في مشهد جسد أصالة البطاحين، وتنافسهم في الكرم، والضيافة، و التسامي فوق الخلافات، وقدموا للحضور برهانا أن الخلافات لن تشق القبيلة وأن (البطاحين لن يتركوا غبينة أو مظلمة تبيت عند المظلوم)

بدأ الاجتماع بكلمات من الحضور كانت تحمل رسالة واحدة مفادها (أن المجتمع السوداني، رغم ما أصابه من وهن بسبب الحرب، ما زال قادراً على استعادة عافيته من بوابة التسامح والتصالح) .
وعبر اللواء أبو عاقلة كيكل، عن تقديره لاستجابة الأسرتين لحل الخلاف وفقا للاعتراف والتقاليد الموروثة لدى القبائل وقال (سلاح العفو أقوى من سلاحنا) ، مشيداً بما قامت به قبيلة البطاحين، واعتبر أن مثل هذه المواقف تمثل قوةً معنوية كبيرة للمجتمع، وزاد (والله البعملوه البطاحين ده دربه براه) وأكد قرب إعلان تحرير القوات المسلحة والمساندة لها للأرض السودانية والانتصار على المليشيا المتمردة.
من جانبه، أشاد نائب رئيس المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي الشيخ إسحاق ميرغني بإعلان أسرة القتيل العفو عن قاتل ابنهم مؤكداً أن هذه الخطوة تصب مباشرة في جهود إصلاح المجتمع ورتق نسيجه الاجتماعي، داعياً جميع المكونات المجتمعية إلى الاقتداء بنموذج البطاحين وتقديم مصلحة المجتمع على الخلافات والجراح.
وأوضح أن السلم الاجتماعي يبدأ بالحوار المجتمعي، باعتباره آلية فاعلة تفتح الطريق أمام المصالحات، وتعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وصولاً إلى الاتفاق على مشروع وطني للتعافي المجتمعي، يعالج آثار الحرب ويعيد للسودانيين روح التآخي والتعايش.

من جهته أكد نائب رئيس مجلس شورى البطاحين أمير فرع العركشاب عمر الأمين حران على ضرورة نبذ خطاب الكراهية والعمل على رتق النسيج الاجتماعي والتعايش السلمي بين مكونات السودان.
واضاف حران ( لابد من الوحدة والعمل من أجل بناء السودان) وأوضح أن (العفو من أهلنا كان يوم الحادثة بالمقابر وما تم الآن هو إعلان فقط لهذا العفو الجميل) وابان حران بأن العركشاب دوما يقدمون العفو والتسامح وإصلاح ذات البين وهذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة ويقدمون الدروس والعبر في السلم الاجتماعي والتعايش السلمي بين مكونات السودان
وكان لناظر البطاحين منتصر خالد حضورٌ بارز في هذا المشهد، باعتباره أحد ركائز العمل الأهلي والمجتمعي، وأحد الداعمين لجهود رتق النسيج الاجتماعي.
وقد أسهم في تهيئة الأجواء لهذا العفو، واضعاً إمكاناته ووقته في خدمة الصلح والتعايش السلمي، ومؤكداً عملياً أن الإدارة الأهلية يمكن أن تكون جسراً للعبور من الخصومة إلى المصالحة، ومن آثار الحرب إلى التعافي.
أما أسرة المتوفى، فقد صنعت اللحظة الأهم في المناسبة، عندما حضرت بكاملها وأعلن ابن الفقيد عفوهم التام أمام القبيلة والحضور، ليؤكد أن التسامح لا يعني نسيان الألم، وإنما يعني الانتصار على الرغبة في الانتقام، وفتح الباب أمام مستقبل أكثر أمناً وتماسكاً.
ولم يكن حضور إعلاميي مبادرة السلم الاجتماعي مجرد مشاركة في المناسبة، بل جاء إيذاناً بانطلاق عمل توعوي مجتمعي واسع، تقوده المبادرة بقيادة الدكتور طارق عبدالله، الكاتب والصحفي، بهدف نشر ثقافة السلم الاجتماعي، ومناهضة خطاب الكراهية، وتعزيز ثقافة تقبل الآخر، والترويج لقيم الحوار والعفو والمصالحة.
ومن قلب قرية علوان، أرادت المبادرة أن تقول إن رتق النسيج الاجتماعي ليس شعاراً، بل ممارسة تبدأ من المجتمع نفسه؛ من الأسرة والحي والقبيلة، وتمتد إلى كل مكونات السودان.
لقد تحولت المناسبة من مجرد حدث للصلح إلى رسالة وطنية تقول إن التعافي من الحرب لا يكتمل بإسكات صوت السلاح وحده، وإنما يحتاج أيضاً إلى تضميد الجراح الاجتماعية، وإعادة بناء الثقة، وإحياء قيم العفو والتسامح والتعايش.

وفي علوان، لم يكن العفو نهاية لقصة مؤلمة فحسب، بل كان بداية لقصة أخرى عنوانها: مجتمع يتعافى، ونسيج اجتماعي يُرتق، ووطن يتسع للجميع.



