الأخبار المحلية

​محطات في مسيرة جامعة السودان المفتوحة

بروفيسور بله احمد بلال

​ لم تكن نشأة جامعة السودان المفتوحة مجرد إضافة عدادية إلى قائمة مؤسسات التعليم العالي في البلاد، بل كانت تحولاً مفصلياً في فلسفة التعليم وتيسير المعرفة. فمنذ اللحظة الأولى لتأسيسها، قدمت الجامعة نموذجاً مرناً كسر حواجز الجغرافيا وتجاوز عوائق الزمان، لتصنع لنفسها مساراً فريداً امتد عبر أكثر من عقدين من الزمان.
​فيما يلي قراءة في أبرز المحطات التاريخية والإستراتيجية التي شكلت مسيرة هذا الصرح الأكاديمي الوطني:
​1. أبريل 2002: ميلاد الفكرة وانطلاق المشروع
​شهد عام 2002 صدور قانون تأسيس جامعة السودان المفتوحة، ليضع اللبنة الأولى لمشروع وطني يستهدف إتاحة التعليم الجامعي للجميع. انطلقت الجامعة بفلسفة التعليم المفتوح والتعليم عن بُعد، معتمدة في بداياتها على الوسائط المطبوعة (الكتاب الجامعي المطور) والوسائط السمعية والبصرية، لترسخ مفهوم “التعليم المستمر للجميع”.
​2. تأهيل الخدمة المدنية ومحو الأمية الرقمية
​لم تنتظر الجامعة كثيراً حتى تتشابك مع قضايا المجتمع، حيث قادت برامج قومية لإعادة تأهيل المعلمين وتطوير قدرات العاملين في مؤسسات الخدمة المدنية. بالتوازي مع ذلك، أطلقت الجامعة عبر كلية علوم الحاسوب وتقنية المعلومات مبادرات واسعة لمحو الأمية الحاسوبية ونشر الثقافة الرقمية في المجتمع.
​3. ثورة التأليف ورصانة المناهج
​شكلت مرحلة إعداد المناهج محطة أكاديمية فارقة؛ حيث استكتبت الجامعة نخبة من علماء ورجال الفكر في السودان لتأليف مقرراتها الدراسية. تميزت هذه المقررات بالعمق والرصانة، حتى أصبحت مراجع أساسية تعتمد عليها وتُدرّسها العديد من الجامعات السودانية الأخرى.
​4. الإجادة الإعلامية والوصول المعرفي
​تجاوزت الجامعة جدران قاعات الدراسة التقليدية عبر إنشاء منظومة إعلامية تعليمية متكاملة، شملت:
​إطلاق إذاعة تعليمية وقناة فضائية لنشر المحاضرات والمعرفة.
​تأسيس دار نشر جامعية متخصصة.
​إنشاء مركز تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، لتعزيز الحضور العلمي والثقافي لجامعة السودان المفتوحة خارج الحدود.
​5. التحول الرقمي وإتاحة المصادر العلمية
​مع تطور تقنية المعلومات، سارعت الجامعة لتكون في طليعة المؤسسات المساندة للتحول الرقمي. أنشأت مكتبة إلكترونية متطورة وقواعد بيانات علمية أتيحت للباحثين والطلاب من مختلف الجامعات السودانية، مما عزز بيئة البحث العلمي التشاركي في البلاد.
​6. التخطيط الاستراتيجي والحوكمة المؤسسية
​في إطار تطوير الأداء الإداري والأكاديمي، أنجزت الجامعة “وثيقة القصد الاستراتيجي”، التي سُجلت كأول وثيقة استراتيجية من نوعها على مستوى الجامعات السودانية، لتؤسس لنموذج إداري قائم على الرؤية الواضحة، والتخطيط العلمي، وقياس الأداء المستمر.
​7. اعتراف دولي وتميز إقليمي
​توجت مسيرة الجامعة بعدد من الإنجازات والألقاب على الصعيدين الإقليمي والدولي، من أبرزها:
​نيل جائزة الملكة البريطانية عن مشروع TESSA بالشراكة الدولية لتطوير تأهيل المعلمين في إفريقيا.
​إحراز المركز الأول عربياً والثاني أفريقياً في تصنيف “ويبومتركس” للجامعات المفتوحة، ما عكس قوة بنيتها الرقمية وحضورها الإلكتروني.
​8. الابتكار في خدمة التعليم العام
​امتد أثر الجامعة إلى منظومة التعليم العام، حيث نجحت عبر كلية تنمية المجتمع في حوسبة مقرر الشهادة السودانية، إلى جانب تصميم وإعداد الحقيبة التدريبية القومية لمديري المدارس ووكلاء المدارس لتطوير الإدارة التربوية في أنحاء السودان.
​9. الاستمرارية والصمود في أوقات الأزمات
​أثناء الحرب والتحديات الأمنية المعقدة التي مر بها السودان، قدمت الجامعة تجربة فريدة في الاستمرارية؛ إذ وظفت بنيتها التقنية وحلولها الإلكترونية لمواصلة التدريس وإجراء الامتحانات، واستعادت نشاطها الإداري والأكاديمي من داخل الخرطوم رغم الأضرار التي لحقت ببعض مقارها.
​10. التعافي الوطني وبناء السلام (المستقبل)
​تتوج الجامعة مسيرتها الحالية بالانخراط المباشر في جهود التعافي الوطني من خلال:
​تأسيس مركز السلام وحقوق الإنسان.
​إطلاق مبادرة بناء قدرات القيادات المجتمعية والدينية في مجالات التعايش السلمي وإدارة النزاعات، وهي المبادرة التي تبنتها وزارة التعليم العالي لتتوسع إلى مشروع قومي يستهدف تدريب 100 ألف قيادي مجتمعي عبر الجامعات السودانية.
​تشهد هذه المحطات أن جامعة السودان المفتوحة لم تكن مجرد دار للتعليم، بل كانت ولا تزال بيت خبرة وطني وشريكاً أصيلاً في التنمية الاستراتيجية وبناء الإنسان السوداني.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى