
في أزمنة الحروب لا تُقاس الحكومات بما تنفقه، وإنما بما تُقدِّمه للناس من أمل، وما تُعيده إليهم من كرامة، وما تُخففه عنهم من معاناة.
وما أُثير مؤخراً حول الصرف على بعض المباني الحكومية بولاية الخرطوم، ثم البيان التوضيحي الذي أصدرته حكومة الولاية، لا ينبغي أن يُختزل في معركة مؤيد ومعارض، بل يجب أن يتحول إلى فرصة لطرح أسئلة مشروعة، فالسؤال عن المال العام ليس تشكيكاً، وإنما هو واجب وطني، والشفافية ليست ترفاً، بل هي أساس الثقة بين الدولة والمواطن.
قد تكون للحكومة مبرراتها الإدارية والتنفيذية، وقد تكون تلك المشروعات جزءاً من ترتيبات إعادة تشغيل مؤسسات الدولة، لكن يبقى السؤال الأكبر:
هل يشعر المواطن البسيط أن أولويات الدولة هي أولوياته؟؟؟؟
ذلك المواطن الذي خرج من منزله تحت وابل الرصاص، ثم عاد ليجد بيته بلا سقف، ولا أبواب، ولا نوافذ، ولا كهرباء، ولا ماء…
ذلك الذي فقد عمله، ومدخراته، وأصبح يعيش على إعانات الأقارب أو ينتظر رحمة الله كل صباح…
من سيعيد إليه منزله؟؟؟
ومن سيعوضه عن سنوات عمره التي احترقت؟؟؟
أليست الدولة راعيةً لكل مواطن، قبل أن تكون راعيةً لمكاتبها ومقارها؟؟؟
لقد علَّمنا الإسلام أن المال العام أمانة عظيمة، وأن درهماً واحداً منه لا يجوز أن يُصرف إلا بحق.
كان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطفئ السراج الذي يُضاء من بيت مال المسلمين إذا أراد أن يتحدث في شأنه الخاص، في مشهدٍ أصبح مدرسةً في النزاهة وتعظيم المال العام.
وجاء بعده الإمام العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله ليؤكد المعنى نفسه حين قال:
“إن لي نفساً تواقة، وما نلت شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلما نلت الخلافة تاقت نفسي إلى الجنة.”
وكان يقول أيضاً ما معناه إن حقوق الناس وأموالهم أمانة لا يجوز التوسع فيها لمصلحة شخصية أو ترف إداري، حتى صار مضرب المثل في الورع والعدل.
هكذا كان الحكام الصالحون…
كانوا يخافون من سؤال الله عن قنديل زيت، أو درهم من بيت المال.
أما اليوم…
فنحن لا نريد أن نحاكم النوايا، ولا أن نصدر الأحكام قبل اكتمال الحقائق، لكننا نريد أن نرسخ مبدأً لا يختلف عليه اثنان:
كل جنيه من المال العام يجب أن يكون واضح الوجهة، ظاهر الأثر، يشعر به المواطن قبل المسؤول.
فإذا كان إصلاح مقر حكومي ضرورة…
فهل إصلاح بيت الأرملة ليس ضرورة؟؟؟؟
وإذا كان تجهيز مبنى لاستقبال الوفود مهماً…
فهل تجهيز منزل أسرة فقدت كل شيء في الحرب أقل أهمية؟؟؟؟
وإذا كانت إعادة مؤسسات الدولة واجباً…
فإن إعادة الإنسان السوداني إلى حياة كريمة هي الواجب الأكبر.
إن الحرب لم تترك مسؤولاً ولا مواطناً إلا وأصابته، لكن وقعها على الفقير كان أشد وأقسى.
هناك آلاف الأسر تعيش اليوم داخل بيوت مهدمة، أو في منازل بلا خدمات، أو تحت إيجارات لا تستطيع سدادها.
وهنا يبرز السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته:
هل وضعت الدولة برنامجاً موازياً لإعمار بيوت المواطنين كما وضعت برامج لإعمار مؤسساتها؟؟؟
لأن الدولة القوية ليست التي تعيد طلاء الجدران أولاً…
بل التي تعيد الطمأنينة إلى القلوب.
وليست التي تفتح المكاتب قبل البيوت…
بل التي تجعل المواطن يشعر أن حكومته بدأت به قبل أن تبدأ بنفسها.
لسنا ضد إعمار المؤسسات الحكومية، فهي ضرورة لعودة الخدمات واستقرار الدولة، لكن العدالة تقتضي أن يسير إعمار الإنسان مع إعمار الحجر، وأن يكون المواطن هو البند الأول في كل خطة، لا البند الأخير.
وفي النهاية…
يبقى السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً في كل مشروع، وكل عقد، وكل قرار:
إذا كان المال مال الشعب… فهل عاد نفعه إلى الشعب أولاً؟؟؟؟
فحين تكون الإجابة: نعم، سيصمت الجدل، وتنتصر الثقة.
أما إذا بقي المواطن ينظر إلى بيته المهدّم، بينما يرى المكاتب تُرمَّم من حوله، فستظل الأسئلة مشروعة، وسيظل المال العام أمانةً لا يحرسها إلا الضمير، ولا يصونها إلا العدل، ولا يُطمئن الناس بشأنها إلا الوضوح والشفافية…
وفق الله الجميع إلى مافيه
خير العباد والبلاد..

