ذكرى لا تنطفئ… شهداء طائرة الناصر ومسيرة السلام
بقلم الفريق أول ركن يحيى محمد خير أحمد

تمرّ علينا هذه الأيام الذكرى الثامنة والعشرون لحادثةٍ ما زالت محفورة في وجدان الوطن، ذكرى استشهاد المشير الزبير محمد صالح نائب رئيس الجمهورية، ورفاقه من خيرة رجال السودان، إثر سقوط طائرتهم بمدينة الناصر في الثاني عشر من فبراير 1998، حين انزلقت الطائرة بعد هبوطها وانجرفت إلى نهر الناصر، وهم في مهمةٍ وطنية خالصة هدفها متابعة ترتيبات السلام مع الحركه الشعبيه وقد كنت شاهدا علي بداة تلك الرحله قبل الاقلاع.
لم تكن الرحلة رحلةً عادية، بل كانت خطوةً في طريقٍ شاق نحو السلام، طريقٍ مفروشٍ بالتضحيات والآمال والقلق المشروع على مستقبل البلاد. أقلعت الطائرة من القاعدة الجوية بالخرطوم يقودها الكابتن كمال المبارك – الذي رحل عن دنيانا قبل شهرين بعد أكثر من سبعةٍ وعشرين عاماً من تلك الحادثة – وكأن الأقدار شاءت أن يظل اسمه مقترناً بذاكرة ذلك اليوم الأليم.
استشهد في تلك الحادثة رجالٌ عظام، لكلٍ منهم بصمةٌ واضحة في الحياة العامة، وفي مسيرة السلام والعمل الإنساني بين الشمال والجنوب.
استشهد عبدالسلام سليمان من منظمة الدعوة الإسلامية، رجل البر والإحسان
الذي حمل همّ الناس في القرى والأطراف.
واستشهد موسى سيد أحمد من إدارة السلام، الذي أفنى سنوات عمره في تقريب وجهات النظر وتهيئة المناخ للحوار.
واستشهد العميد أروك تون أروك، رجل السلام وابن قبيلة الدينكا، الذي جسّد معنى الوحدة الوطنية في أبهى صورها.
كما استشهد والي أعالي النيل، وقائد ثاني المنطقة العسكرية بأعالي النيل العميد طه الماحي، والشهيد جمال فقيري مدير مكتب المشير الزبير، وقائد الحرس المقدم فتح الرحمن، وغيرهم من الرجال الذين خرجوا في مهمة وطن فعادوا إليه محمولين على أكتاف الوفاء.
ونجا من الطائرة عددٌ من المرافقين، منهم موسى المك كور، والعميد الطيب سيخة، والعقيد صديق عامر، واللواء مأمون نقد، ليبقوا شهوداً على واحدةٍ من أكثر اللحظات إيلاماً في تاريخنا المعاصر.
لقد وثّق كتاب “الزبير… الرجل الأمة” حياة الشهيد ومسيرته، واعتُبر مرجعاً مهماً في رصد تفاصيل تلك الحادثة، كما وثّق لمساعيه في ترسيخ فكرة الحكم الفدرالي، وجهوده في ثورة التعليم والتنمية، وإيمانه العميق بأن السلام هو الخيار الإستراتيجي مهما تعاظمت التحديات.
تم إخلاء الشهداء من مدينة الناصر إلى الخرطوم، وووروا الثرى في مقابر الصحافة، لكن ذكراهم لم تُوارَ، بل بقيت حاضرةً في ضمير الشعب، وفي صفحات التاريخ.
وحين نستدعي ذكرى شهداء طائرة الناصر، فإننا نستحضر كذلك شهداء طائرة عداريل التي كان على متنها الشهيد إبراهيم شمس الدين، ومن قبلهم شهداء طائرة أبو قصيصة وكمال علي مختار. حوادث متتابعة، جمعتها غاية واحدة: السعي إلى تثبيت أركان الوطن، وحقن الدماء، وبناء السلام.
لقد فقد السودان برحيل هؤلاء القادة جزءاً عزيزاً من كيانه، وكانت تلك السنوات حبلى بالتحولات التي انتهت بانفصال جنوب السودان، وكأن التضحيات الجسام كانت محاولةً أخيرة للإبقاء على جسد الوطن موحداً. لكن التاريخ لا يُقاس فقط بنتائجه، بل بنيّاته الصادقة، ومساعيه المخلصة.
وفي الأسبوع الماضي، فقدنا أحد أصدقاء تلك الكوكبة المباركة، الفريق أول فاروق علي محمد، رحمه الله رحمةً واسعة، وكان مثالاً في الانضباط والوفاء والعطاء. رحل الرجال، لكن قيمهم باقية، وسيرتهم زادٌ للأجيال.
وما زالت قواتنا المسلحة تنجب القادة، وتواصل أداء واجبها في معركة الكرامة، مستلهمةً من الشهداء معاني التضحية والفداء.
تحيةً للشهداء، تحيةً للجرحى، وأملاً صادقاً في عودة المفقودين إلى أهلهم سالمين.
رحم الله المشير الزبير ورفاقه، وجعل ذكراهم نوراً يضيء درب الوطن، ودرساً للأجيال أن السلام لا يُصنع بالكلمات وحدها، بل يُروى أحياناً بدماء الرجال.



