الالتزام بالمصداقية في العمل الإعلامي ما بين الواجب الوطني والتهاون

:
الخرطوم تقرير سونا
بات واضحا للجميع ان التحديات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي محلياً وعالمياً، دفعت بقضية الالتزام بالمصداقية كواحدة من أهم ركائز العمل الإعلامي، إلى السطح مجددا لما لها من دور محوري في تشكيل الوعي العام وتعزيز الثقة والشفافية بين وسائل الإعلام والجمهور. وبينما يُعد التحلي بالمهنية والدقة واجباً وطنياً لا يقبل التهاون، تشير بعض الممارسات فى الفضاء الاعلامى إلى وجود تجاوزات في تحري الحقائق، تستدعي موقفاً مهنياً حازماً يعيد الاعتبار لقيم الرسالة الإعلامية، لاسيما في ظل الفضاء المفتوح وتعدد منصات التواصل والبث الرقمي الذي شكل أرض خصبة لتداول الشائعات والاخبار المضللة في ظل عدم توفر الرقابة الكافية والتخلي عن المهنية والمسؤولية الوطنية وعدم ادراك الفهم العميق للحد الأدنى لمهددات الأمن القومي.
ويأتي ذلك بالتوازي مع الحملات الإعلامية المضللة والغرف التي تنشط في بث التضليل الممنهج ضد الدولة السودانية ومؤسساتها في ظلّ تعدد المنصات الداخلية التي تسعي للسبق الصحفي على حساب المهنية والموضوعية والمسؤولية الوطنية مما يلحق أضراراً بالغة الخطورة على الصعيد السياسي والامني بالبلاد.
وفي هذا الخصوص استطلعت وكالة السودان للأنباء “سونا “، عددا من الخبراء والمهتمين بالمجال، تناولوا الأمر بكل شفافية ودراية وتحليل عميق للأزمة مع تشخيص ذو أبعاد استراتيجية بكل تجرد وحيادية.
وأكدوا خطورة الإعلام الرقمي وتعدد المنصات والتخلي عن المصداقية لأجل السبق الصحفي.
المصداقية الاعلامية :
ويرى خبراء إعلاميون أن المصداقية تمثل العمود الفقري لأي مؤسسة إعلامية ناجحة، مؤكدين الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح شريكاً أساسياً في صناعة القرار، ما يضاعف من مسؤولية الصحفي في تحري الدقة والموضوعية ، وأن غياب المصداقية يفتح الباب أمام انتشار الشائعات والمعلومات المضللة، مما يهدد استقرار المجتمعات.
تحديات الاعلام:
ويشير وزير الثقافة والاعلام والآثار والسياحة الاستاذ خالد الاعيسر فى منشور صحفى إن الخوض في غمار التحديات الإعلامية واجب لتعزيز القدرة على إيصال الحقائق بوضوح، والتصدي للخطابات غير المهنية التي تفتقر إلى الدقة والموضوعية، والتي قد تسهم في تشويه الجهود المبذولة بتجرد وإخلاص لصالح الشعوب والأوطان، أو تحاول هذه الأقلام قلب الأبيض إلى أسود، وتصوير التضحية من أجل الشعوب والأوطان على أنها مذمة، وتحويل النجاح في ظروف قاهرة إلى فشل، وذلك عبر توزيع مقالات مجهولة الهوية والمصادر وتسريبات موجهة وبلا أسانيد، ونشر الكلام المجاني الرخيص ، أو التقليل من الإنجازات المتحققة فعلياً على أرض الواقع رغم الظروف الصعبة وقياساً بما كان عليه الحال، ومن دون مراعاة المعطيات المحيطة بدائرة المسؤولية على خلفياتها
ويضيف الاعيسر ان النشر الخاطئ والموجه وغير الصادق يؤثر سلباً على استقرار الدول ومؤسساتها، خاصة عندما يصبح أصحابه ومن يروجون له وجبة سائغة للتماهي مع خطط الغرف الإلكترونية المعادية، التي تهدف إلى إفراغ البلاد من عناصر قوتها ومكانتها واستقلال قرارها وسيادتها، بهدف تمرير أجندات خارجية على حساب الدولة والمجتمع.
اقلام وطنية :
ويضيف الاعيسر في المقابل، فإن وسائل الإعلام الصادقة ومنتسبيها من الأقلام الوطنية الرصينة، المتمكنين من التعبير والمضمون والقيم والمبادئ الأساسية للرسالة الإعلامية، والذين لم ينساقوا وراء حملات التضليل الإعلامي أو الكتابات المغرضة التي تستهدف المسؤولين من دون وجه حق، هؤلاء يستحقون الشكر والثناء والاعتراف الصادق بدورهم الوطني الكبير. فهم يسهمون فعلياً في تعزيز الشفافية والمصداقية، ويعززون الثقة بين المؤسسات الرسمية والجمهور، ويشكلون دعامة حقيقية للإعلام الوطني المخلص في خدمة المجتمع والوطن، ويثبتون أن الإعلام ليس كله نماذج سيئة أو رديئة، ويمكن أن يكون وسيلة فاعلة للبناء والتنمية لا للتشويه والتدمير.
السبق والمهنية :
ويجمع الصحفيون فى رأيهم أن التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي ساهما في تسريع تداول الأخبار، لكنهم يشيروا إلى أن السرعة لا ينبغي أن تكون على حساب الدقة، فالمهنية الحقيقية تكمن في التحقق من المصادر قبل النشر ، مؤكدين أن بعض وسائل الإعلام وقعت في فخ السبق الصحفي دون الالتزام بالمعايير المهنية، مما أدى إلى تراجع ثقة الجمهور.

ويقول الخبير الإعلامي والكاتب الصحفى الاستاذ محي الدين شجر في هذا الخصوص إنه في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار والمعلومات وتتنافس فيه المنصات على جذب الانتباه وتحقيق أكبر قدر من المشاهدات والمتابعات من قبل الجمهور تخلى كثيرون عن المصداقية والمهنية ولهذا تصبح المصداقية والمهنية في العمل الإعلامي ضرورة وطنية وأخلاقية ملحة خاصة في ظل بيئة مشبعة بالشائعات والمعلومات المضللة.
ويضيف الاستاذ شجر أن المصداقية تعني قبل كل شيء الالتزام بالحقيقة، والتحقق من المعلومات من مصادر موثوقة قبل نشرها، وعدم الانجرار وراء السبق الصحفي على حساب الدقة. أما المهنية فتتجلى في التوازن، والحياد، واحترام عقل المتلقي، وتقديم المحتوى بعيداً عن التهويل أو التلاعب أو توظيف العواطف لتحقيق أهداف ضيقة.
تعدد المنصات وإثارة الفتن:
وأبان شجر، أنه مع تعدد المنصات الرقمية وسهولة النشر، لم يعد الإعلام حكراً على المؤسسات، بل أصبح كل فرد مشروع “ناشر”، وهنا تتضاعف المسؤولية.
ويشير إلى أن الشائعات والاخبار المغلوطة اليوم يمكن أن تنتشر في دقائق، وقد تُحدث أثراً بالغاً في المجتمع، من إثارة الفتن، إلى تقويض الثقة في المؤسسات، بل وحتى تهديد الأمن القومي والاستقرار السياسي و الاقتصادي وحتي الاجتماعي.
ويضيف بقوله” من هنا يبرز الواجب الوطني للإعلامي، الذي لا يقتصر على نقل الخبر، بل يشمل حماية الوعي العام، والتصدي للمعلومات الزائفة، وتعزيز روح المسؤولية المجتمعية”. خاصة وأن الإعلامي الحقيقي هو من يوازن بين حرية النشر ومسؤولية الكلمة، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
كما أن بناء الثقة مع الجمهور يتطلب الشفافية، والاعتراف بالأخطاء عند وقوعها، وتصحيحها بوضوح، لأن الثقة تُبنى بالتراكم، وتُهدم بخبرٍ كاذب واحد فقط .
العقل السياسي والفصل الحاسم:
ويذهب الأكاديمي والمحلل السياسي دكتور عثمان حسن عثمان إلى القول بأن غياب العقل السياسي المخطط بوعي وسط ما وصفه بالافخاخ الداخلية والخارجية هو ما يؤدي إلى بقاء الدولة عالقة في المشاكل التى لم تستطع التحرر منها،
ويضيف أن الأمر لا يحتاج غير الفصل الحاسم بين قضايا الحرب وتحرير البلاد وقضايا المشروع السياسي، وهذا الاساس الذي يمكن ان تجترح منه معايير المهنية في التفاعل مع القضايا الوطنية ومدى اتساق المواقف مع المطالب الشعبية ،،خاصة وان العديد من المنصات تنطلق من مقاربات مختلفة ومداخل متنوعة ومن هنا يبدو الاختلاف في المنتوج الاعلامي الذي قد يحدث تأثيرا سلبيا او ايجابيا على القضية الوطنية.
دعاوي التهميش:
ويستدرك دكتور عثمان قائلا بأن البئية المحلية والاجتماعية تعتبر مهيأة لتوالد الإشاعات المضرة وتناسل الحكاوي من قبل الغرف المضللة وماتبثه من دعاوي تروج إلى التهميش وسعي جهة بعينها الانفراد بمسالة الحكم واتخاذ القرار والسعي للهيمنة على البلاد.
ويذكر عثمان بأن الأمر في جانب منه لا ينظر اليه من زاوية المهنية وما يتصل بها وإنما هو مرتبط بعملية أكبر من ذلك بكثير وهي مشروع استهداف ممنهج بصنع أرضية وعي تمرر اكاذيبة وادعاءاته بيسر لكيان ووجدان المواطن بخلق واقع مغاير للحقيقة ورفد ذلك بامكانات وقدرات تفوق قدرة الدولة في ملاحقته، ، مع محدودية التأثير المهني..

امتحانا عسيرا:
بينما يؤكد الكاتب الصحفي والإعلامي دكتور طارق عبدالله بأن المهنية والمصداقية في العمل الإعلامي تواجه امتحانا عسيرا في ظل محاولات استغلال الإعلام للتاثير على الرأي العام في القضايا المختلفة.
ويشير طارق إلى ضياع مصداقية العمل الإعلامي نتيجة ذلك الاستخدام غير المهني عن طريق تضليل الرأي العام باستخدام معلومات مغلوطة او قديمة او اجتزاز جزء من الافادات واستخدامها في غير موضعها، بجانب الاعتماد على مصادر غير مؤهلة وكثير من الممارسات المستخدمة في مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية التي نقراها ونشاهدها اليوم عبر شبكة الإنترنت.
مصداقية العمل الإعلامي:
يضيف دكتور طارق بأن تلك الممارسة طعنت في مصداقية العمل الإعلامي الرقمي واظهرت الفارق الكبير بين الإعلام الإلكتروني والإعلام التقليدي الذي تمثله الصحافة الورقية والإذاعة والتلفزيون، وهي ممارسة مفتوحة تجاوزت السقف الوطني ونالت من الوطن ومقدراته وسيادته ووحدته ونالت من الشعب و نسيجه الاجتماعي ببث خطاب العنصرية والكراهية والكثير من الممارسات التي نطلع عليها عبر وسائط التواصل الاجتماعي.
ويوضح طارق أن ذلك يزيد الامر سوءا” انها وسائط خارج السيطرة والرقابة ولايوجد قانون يحد من خطورتها وهي بهذا الوضع المنفلت يكون ضمير الإعلامي و وطنيته هما الرقيب والقانون وقد نجح الكثيرين في ذلك وقلة منهم وقفوا على الضفة الاخرى لاسباب سياسية او انتماءات قبيلة او بيع ذمتهم مقابل المال ويشير إلي أن تلك مجموعة محدودة ولكنها تجد سندا من قبل المتربصين بالوطن والدولة.

بينما تقول الصحفية امانى ابشر يفتقد السبق الصحفي في ظل تعدد منصات النشر احيانا إلى المصداقية والموثوقية، وذلك نسبة لتعدد مصادر الأنباء وادعاء كل جهة أنها تمتلك الحقيقة، مما اوقع العديد من المحررين ومنصات النشر والبث في أخطاء كارثية بنشرها أخبار أو معلومات كاذبة.
ففي السابق كان هناك وقت كاف للتثبت من الأنباء والمعلومات قبل نشرها لكن للأسف ان المواقع الإخبارية البودكاست والفضائيات كثير منها لم يستفد من الطرق المتطورة للتأكد من صحة المعلومات واهتمت فقط بسرعة نشر الاخبار فقط، وهو ما عرض البلاد إلى مخاطر كثيرة بسبب الاخبار العاجلة الكاذبة.
لذا لابد من قانون صارم يتعلق بالنشر، وان تلتزم كافة الجهات الناشرة بمعايير نشر الأخبار.
وبالمقابل، يرى خبراء اكاديميون فى مجال التدريب الاعلامى أهمية التدريب المستمر للكوادر الإعلامية، باعتبار أن “بناء صحفي واعٍ ومدرك لمسؤوليته الوطنية هو الضمان الحقيقي لمواجهة التحديات الحالية”. داعين إلى تعزيز مواثيق الشرف الصحفي وتفعيل آليات الرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية.
فيما يرى عدد من المتابعين لوسائل الاعلام أن الالتزام بالمصداقية لا يقتصر على الصحفيين فقط، بل يشمل أيضاً المؤسسات الإعلامية التي تتحمل مسؤولية وضع سياسات تحريرية واضحة تضمن النزاهة والشفافية. كما أن الجمهور نفسه بات يلعب دوراً مهماً في التحقق من المعلومات، في ظل تعدد مصادر الأخبار.
اراء الخبراء:
ويحذّر خبراء في الإعلام من خطورة انتشار الكذب والشائعات في العمل الصحفي، مؤكدين أن ذلك يمثل تهديدًا مباشرًا لمصداقية المؤسسات الإعلامية ودورها في خدمة المجتمع.
وأوضح مختصون أن نشر معلومات غير دقيقة يؤدي إلى فقدان ثقة الجمهور، وهي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الصحافة، مشيرين إلى أن استعادة هذه الثقة بعد فقدانها أمر بالغ الصعوبة.
وبيّن الخبراء أن الكذب يسهم في تضليل الرأي العام عبر تقديم معلومات مغلوطة تؤثر على قرارات الأفراد والمجتمع، وقد تمتد آثارها إلى الجوانب السياسية والاقتصادية.
كما نبهوا إلى أن الشائعات قد تتسبب في إثارة النزاعات والفتن داخل المجتمع ، فضلًا عن إلحاقها أضرارًا مباشرة بسمعة الأفراد والمؤسسات.
وأكد الخبراء أن استمرار هذه الممارسات يؤدي إلى تدهور أخلاقيات المهنة الصحفية، وفقدان الصحافة لدورها كسلطة رقابية فاعلة .
وشددوا في ختام حديثهم على ضرورة الالتزام بالمهنية، والتحقق من مصادر المعلومات، وتعزيز قيم الصدق والدقة، حفاظًا على دور الصحافة في بناء مجتمع واعٍ ومستنير.
ثقة الجمهور:
ختاماً، يؤكد الخبراء أن مستقبل الإعلام مرهون بمدى التزامه بقيم الصدق والأمانة، باعتبارهما الأساس الذي تُبنى عليه ثقة الجمهور، وأي إخلال بهما قد يؤدي إلى فقدان هذه الثقة، وهو ما يصعب استعادته في عالم سريع التغير ، فالإعلام الصادق يمثل دعامة أساسية للدولة، والانحراف عن هذه القيم يضع أصحابه خارج إطار المسؤولية الوطنية، فالكلمة أمانة تستوجب الالتزام بالحقيقة وخدمة المصلحة العامة ، والمهنية تقتضي النظر إلى الوقائع بميزان الموضوعية بعيداً عن الاعتبارات الذاتية.


