الأخبار المحلية

الضمير… العضو الذي عجز الطب عن زراعته

بروفيسور بله احمد بلال

في زمنٍ استطاع فيه الإنسان أن يزرع القلب، ويبدّل الكُلى، ويستبدل المفاصل، بل ويعيد الأمل لمن فقدوا أجزاءً من أجسادهم، يقف العلم الحديث عاجزًا أمام عضوٍ واحد لا يُرى ولا يُلمس، لكنه الأكثر تأثيرًا في حياة البشر: الضمير.
لقد أثبت الطب قدرته على إطالة الأعمار وتحسين جودة الحياة، وحقق إنجازات مذهلة جعلت المستحيل ممكنًا، رقم هذا التقدم لم يستطع أن يخلق إنسانًا أكثر عدلا” أو أصدق قولا”، أو أنقى سريرة، فالضمير لا يُزرع في غرف العمليات، ولا يُنقل عبر الأنسجة، ولا يُشترى من بنوك الأعضاء.
يُقال إن الحق يحتاج إلى رجلين، أحدهما ينطق به بجرأة، والآخر يسمع بوعي، غير أن الحقيقة الأعمق تكمن في أن كليهما يحتاج إلى ضمير حي، فالشجاعة بلا ضمير قد تتحول إلى تهور، والإنصات بلا وعي قد يصبح مجرد صمتٍ فارغ.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر بهدوء إلى ما يجري في إضراب أساتذة الجامعات، فالقضية في جوهرها لا تقف عند حدود المطالب المهنية، بقدر ما تمس سؤالًا أعمق يتعلق بكيفية إدارة العلاقة بين الحق في التعبير، وواجب الاستجابة، ومسؤولية الإصغاء.
لقد عبّر الأساتذة عن مطالبهم بقدرٍ ملحوظ من الوضوح والمسؤولية، وهو تعبير يجد سنده في طبيعة الدور الذي يضطلعون به داخل المجتمع، وفي المقابل فإن أي تأخر في التفاعل أو محدودية في الاستجابة لا يُقرأ فقط بوصفه إجراءً إداريًا، بل يُنظر إليه في سياق أوسع كجزء من اختبارٍ حقيقي لحضور الضمير المؤسسي.
فالإدارة حين تُحسن الإصغاء لا تفقد هيبتها، بل تعزز ثقتها، وحين تقترب من هموم منسوبيها لا تُضعف موقعها، بل تُرسّخ مشروعيتها، ذلك أن التوازن بين الإمكانات المتاحة والاحتياجات المطروحة لا يتحقق فقط بالحسابات، بل يحتاج إلى إذن صاغية وحسٍ عادل يُقدّر الأثر الإنساني للقرار.
إن أساتذة الجامعات لا يمثلون فئة مهنية فحسب، بل يحملون رسالة معرفية وتربوية تتجاوز حدود قاعات الدرس، ومن هنا فإن التعامل مع قضاياهم ينبغي أن يُصاغ بروح تستوعب هذه المكانة، وتُقدّر هذا الدور، وتسعى إلى معالجته ضمن أفق من الحوار المسؤول.
وفي النهاية تبقى الحقيقة كما هي، قد يتوفر الصوت الذي يعبّر بجرأة، وقد تحضر الحجج بوضوح، لكن اكتمال المشهد يظل مرهونًا بوجود من يسمع بوعي ويتفاعل بضمير.
فالطب نجح في زراعة كل شيء في حسم إلا الضمير لأنه يُولد في داخل الإنسان لا في خارجه.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى