
في السودان ، لم تكن الدولة وحدها هي الضامن، ولم يكن المال وحده هو الحل. كان هناك “النفير” و”الفزع”، كلمتان من صميم الوجدان السوداني، تلخصان فلسفة كاملة في التكافل والنجدة. النفير للبناء، والفزع للدفاع. الأول يبني الدار، والثاني يحميها. وبهما معاً صمد المجتمع قروناً في وجه القحط والغزو والفاقة.
النفير هو أن ينادي الرجل في الحلة: “يا أهل الفزعة، بكرة دايرين نبني قطيتي” أو “دايرين نحصد عيشي”. فلا يتخلف أحد. يأتي الرجال بفؤوسهم وطواريهم، وتأتي النساء بالقداح والكسرة والملاح، والكمونية ويأتي الأطفال بالماء والبهجة.
1. من “قطع الطين” إلى “رمي القش” إلى “دق التُكُل”، كان النفير هو شركة المقاولات الشعبية. في كردفان ودارفور كانوا يسمونه “الجودية” أحياناً. يبدأ بنداء الفجر: “الحاضر يكلم الغايب، نفير فلان بكرة”. وما أن تشرق الشمس حتى يتحول المكان إلى خلية نحل. هذا يقطع، وذاك يعجن، وثالث يرفع، ورابع يغني. والأغاني هي وقود النفير: “شدوا الحيل يا رجال، البيت بيتكم والخير خيركم”. وفي المساء، ينتهي البناء بوليمة “كرامة” يذبح فيها صاحب الدار ما تيسر، لا أجراً، بل شكراً. فالنفير لا يعرف الأجرة، يعرف “الدين”: اليوم لي، وغداً لك.
2. “نفير الحصاد” و”نفير الدق” و”نفير النظافة” هي مواسم الفرح الجماعي. حين يستوي العيش في “البلاد”، يصبح هاجس صاحبه: كيف أحصده قبل المطر والطير؟ فيأتي النفير حلاً. عشرات السواعد تحصد في يوم ما يعجز عنه الرجل في شهر. ويتحول الحقل إلى مهرجان. البنات يزغردن، والشباب يتسابقون، والشيوخ يحكون القصص. يقول المثل: “الإيد الواحدة ما بتصفق، لكن الإيدين الصاح بتبني بلد”. والنفير هو “الإيدين الصاح”. وقد حفظت لنا أغاني الحصاد هذا المعنى:
“يا نفيرنا هيا.. قوموا للحصاد هيا..
عيشنا طاب وحلا.. والخير علينا تدلا”.
ثانياً: إذا كان النفير للبناء، فالفزع للحماية. والفزع هو النفير المسلح. صيحة واحدة في نصف الليل: “يا رجال الحلة، حرامي في الساقية” أو “غارة من الفريق التاني”، كافية لأن تهب القرية كلها. لا أحد يسأل: “ومالي أنا؟”. فالذي يُسرق اليوم من جارك، يُسرق غداً منك.
1. كان اللص في المجتمع التقليدي “مقطوع الطاري”، لكنه موجود. سارق البهائم “الهَمباتي” كان أخطرهم. فإذا صرخ صاحب السعية: “واحلاتي.. ناقتي.. فزع”، دوّى النداء في الآفاق. يخرج الرجال بـ”العكاكيز” و”الحراب” و”السيوف”، ويمتطون الخيل والجمال، ويقتفون الأثر. و”قصاص الأثر” علم قائم بذاته. وكان العرف أن “الفزع” لا يعود إلا بالمال أو بالخبر. ومن مات في الفزع فهو “شهيد الواجب”. وقد خلدت “الحكامات” و”الحجّاوات” بطولات الفزع في غنائهن:
“أخوي يا سيف الفزع البِتلبا..
كان كورتَ النحاس نقر.. كلوا اتندلا”.
2. الفزع ليس فوضى. له قواعده: لا يُعتدى على النساء والأطفال، لا تُنهب ديار، لا يُقتل إلا دفاعاً. وهو واجب لا منّة فيه. ومن تخلف عن فزع بلا عذر، “لبسوه الطرحة” في عرف بعض القبائل، أي وصموه بالجبن. لذلك كان الرجل يفخر: “أنا أخو البنات في الفزع، مقنع الكاشفات”.
ثالثاً:
1. الأمثال: “النفير سترة الحال”، “الفزع بحل العقد”، “ما بتبني بيتك براك، إلا كان بيت عنكبوت”.
2. الشعر الشعبي: مجذوب أونسة والشعراء الحقيبة تغنوا بالنفير بوصفه قيمة:
“نحن بنبني بيتنا بالنفير.. ما بنخاف من الريح والمطر”.
3. الحكاية: حكاية “ود النمير” الذي فزع له أهل فريقه كلهم لما خطف النمر ابنته، فطاردوه ثلاثة أيام حتى قتلوه. الحكاية رمز لوحدة المصير.
رابعاً:
جاءت المدينة والوظيفة والفردانية، فتآكل النفير. صار الناس يستأجرون العمال، ويستدعون الشرطة، ويدفعون المال بدل العرق. وصار الجار لا يعرف جاره. لكن النفير لم يمت. ما زال حياً في “نفير الخريف” لدرء السيول، وفي “نفير المستشفيات” لجمع التبرعات، وفي “فزع الفيضان” سنة 1988 و2013 و2020 حين خرج الشباب بالشوالات يبنون التروس.
خاتمة: هل نعود؟
النفير والفزع ليسا طقوساً فولكلورية للفرجة، بل فلسفة بقاء. مجتمع بلا نفير، مجتمع تتآكل أسسه. ومجتمع بلا فزع، مجتمع تُستباح حماه.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى “نفير وطني” نبني به ما دمرته الحرب، وإلى “فزع أخلاقي” نحمي به نسيجنا من التفتت.
كما قال الأجداد: “البلد البنبناها بالنفير، ما بخربها نفرين”.
فلنعد إلى الدائرة الأولى: يد في يد، وكتف بكتف. فالسودان لا يُبنى بقرار من فوق، بل بنفير من تحت.
علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com
