جمهورية المحاصصة. كيف تحولت خيانة الدولة إلى أقصر طريق للسلطة.
بروفيسور بله احمد بلال

عادةً ما يميل الخارجون على الدولة في السودان سواء كانوا من حملة السلاح أو من حواضنهم السياسية أو من حملة المباخر من منسوبي الأحزاب اللهاثين خلف المكاسب والمناصب إلى الكفة الراجحة في المعركة أو إلى الجهة الأكثر سخاءً في العطاء والدفع. وفي غالب الأحوال تكون التسويات السياسية التي ينخرطون فيها مشروطةً بمكاسب مالية ومحاصصات ضيقة في كراسي السلطة حتى بدا وكأن الولاء للوطن صار أقل ربحاً من التمرد عليه.
لقد تحولت هذه الممارسة عبر العقود إلى ما يشبه السنة السياسية السيئة الملازمة للدولة السودانية منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا. إذ سادت ثقافة اتفاقيات السلام الثنائية القائمة على ترضية النخب الحاملة للسلاح أو الواجهات المعارضة على حساب استقرار الوطن والمواطن. والتاريخ السوداني في كثير من مشاهده يعيد نفسه في دائرة مفرغة لا تكاد تنتهي. بدءاً من اتفاقية أديس أبابا عام 1972. ومروراً باتفاقية نيفاشا عام 2005. وأبوجا 2006. والدوحة 2011. وصولاً إلى اتفاق جوبا للسلام عام 2020. ورغم اختلاف السياقات والظروف فقد اشتركت هذه الاتفاقيات جميعها في قاسم تاريخي واحد. تحويل السلام من قيمة وطنية جامعة إلى عملية محاصصة ووظائف. كعكة سلطة وثروة. بدلاً من معالجة جذور الأزمات الوطنية وبناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.
وهنا يطرح السؤال نفسه بمرارة شديدة. هل تكفي كعكة السلطة المثقلة أصلاً بالديون والأزمات والتشظي لإرضاء المنشقين الجدد عن الميليشيا والخارجين من تحالفات تقدم وتأسيسها إذا كان نصيب اتفاق جوبا وحده قد استقطع نحو 20 بالمئة من هيكل السلطة ومواردها الشحيحة. إن التنافس المحموم على كعكة متآكلة وممزقة لن يقود البلاد إلا إلى جولات جديدة من الصراع المستمر على الغنائم والامتيازات. وسيعيد إنتاج الأزمة بذات الأدوات التي صنعتها.
إنها مناشدة صادقة وخالصة لكل من استيقظ ضميره وتطهراً من وعثاء الخيانة. ولكل من وجه سلاحه في وجه حامي الدولة وسندها ثم آثر الرجوع إلى جادة الوطن. إن العودة إلى أحضان الوطن والشرعية لا تحتاج إلى تفاوض. ولا إلى شروط مسبقة. ولا إلى صفقات تعقد تحت الطاولة. بل تتطلب موقفاً شجاعاً يرمي فيه المرء بالماضي خلف ظهره ويرتضي العيش بكرامة وفق إمكاناته الراهنة. وعلى كل من ألقى سلاحه أن يخلع البذلة العسكرية والكدمول. وأن يسلم عتاده كاملاً دون قيد أو شرط. حتى لا تظل هيئته تذكر المواطن المكلوم بمرارات الحرب ومآسيها. بدلاً من الاندماج في مشروع وطني يعيد ترميم ما تهدم. بعد أن مارست قوى الحرب القتل والنهب والحرق والتشريد. وانتهكت الأعراض وارتهنت للمحاور الخارجية على حساب سيادة البلاد ومصالح أهلها. وليس من العدل ولا من مقتضى الحكمة الوطنية أن يعود من امتهن العمالة والخيانة من بعض القوى والأحزاب السياسية بعد أن باع الوطن ثمناً بخساً وارتهن لإملاءات الخارج ليجلس على مائدة المساومة ذاتها مطالباً بنصيبه من الكرسي. وكأن التفريط في الأوطان صار مؤهلاً إضافياً للسلطة لا موجباً للمساءلة والمراجعة.
إن استقبال هؤلاء استقبال الفاتحين أو مكافأتهم بالمناصب السياسية ليس سوى تكريساً معيباً للخلل التاريخي ذاته. ذلك الخلل الذي جعل الكرسي في السودان امتيازاً لمن رفع السلاح في وجه الدولة. وعقوبةً مستمرةً بحق المواطن الصامد الشريف الذي ظل يدفع من أمنه واستقراره وحياته فاتورة هذه المصالحات الزائفة.
فلا وطن يبنى بالمساومات. ولا دولة تستقيم بالمغانم. وإنما تصان الأوطان بعدالةٍ لا تشترى. وشرعيةٍ لا تبتز. وضميرٍ إذا استيقظ لا يساوم ولا يساير.



