المترولوجيا.. “مانيفستو” للضبط الإداري والأخلاقي
مهد الحروف د. هيثم حسن عبد السلام خبير شؤون المستهلك mismawia@yahoo.com

جاء في الأثر عن أبي الدرداء أنه قال : ‘‘خير نسائكم التي تدخل قيسًا وتخرج ميسًا”، أي تدبر في صلاح بيتها لا تحرف في مهنتها ..‘‘، في إشارةٍ بليغة إلى قيمة التقدير ، وحسن التدبير، والقدرة على تحقيق التوازن بين الموارد والمخرجات. وهو معنى عميق يتقاطع مع جوهر “القياس” بوصفه أداةً لضبط الحياة، وتحقيق الكفاءة، وصيانة الموارد. وفي العشرين من شهر مايو من كل عام، يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للمترولوجيا، تلك المناسبة العلمية التي قد تبدو للبعض بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية، لكنها في حقيقتها تمثل حجر الزاوية في بناء الدول الحديثة، وضمان العدالة، وترسيخ الثقة بين الحكومات والمجتمعات.
إن المترولوجيا، أو علم القياس، تتجاوز كونها مجرد أرقام وأجهزة ومعامل، لتصبح لغة مشتركة تُترجم بها الحقائق، وتُبنى عليها السياسات، وتُقاس بها كفاءة الأداء الحكومي. فكل قرار اقتصادي أو خدمي أو تنموي يستند في جوهره إلى بيانات دقيقة، وقياسات موثوقة، ومعايير مضبوطة.
ويأتي احتفالنا هذا العام في وقتٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى استحضار قيمة “القياس” كأداةٍ للضبط، ووسيلةٍ للإنصاف، ومنهجٍ لصناعة القرار الرشيد، خاصة في ظل تطلعات “حكومة الأمل” التي يعول عليها الشعب السوداني في قيادة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. ومن هنا، فإن هذه الحكومة مطالبة بأن تجعل من المترولوجيا ركيزة أساسية في منظومة صنع القرار، عبر تعزيز أنظمة القياس الوطنية، وتطوير مؤسسات المعايرة، وضمان دقة البيانات التي تُبنى عليها الخطط والسياسات؛ فالثقة لا تُبنى بالشعارات لوحدها، إنما تُصنع بالأرقام الدقيقة والنتائج القابلة للقياس.
وفي مرحلة إعادة الإعمار، تتضاعف أهمية القياسات والمعايرة؛ حيث لا مجال للخطأ أو التقدير العشوائي. فالطرق، والجسور، والمباني، وشبكات المياه والكهرباء، جميعها تعتمد على دقة القياس وجودة المعايير، وأي خلل في هذه المنظومة قد يؤدي إلى خسائر فادحة، ليس فقط في المال، إنما في الأرواح أيضًا. إن ضبط الموازين، ومعايرة الأجهزة، والتأكد من مطابقة المواصفات، وإجراءات الفحص والرقابة الفنية، هي مسؤولية أخلاقية ووطنية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بحقوق المستهلك وسلامته، وتعكس مدى جدية الدولة في حماية مواطنيها. ولعل من المهم في هذا السياق أن نستحضر البعد القيمي والديني للقياس، حيث أولى الإسلام عناية عظيمة بالميزان والعدل في الكيل والوزن؛ فقد جاء في القرآن الكريم: “وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ”، وهو توجيه رباني يؤكد أن دقة القياس ليست مجرد شأن دنيوي، انما هي قيمة أخلاقية تعبّر عن العدل والاستقامة، كما أن الإخلال بالميزان عُدّ من أسباب الفساد في الأرض لما يترتب عليه من ظلمٍ وغبنٍ وإهدارٍ للحقوق.
إن بناء الثقة بين المواطن وحكومة الأمل يبدأ من التفاصيل الصغيرة؛ من عداد كهرباء دقيق، وميزان عادل في السوق، ومضخة وقود مضبوطة، قبل أن يمتد إلى المؤشرات الكبرى للاقتصاد والتنمية. فحين يطمئن المواطن إلى أن ما يدفعه يقابله ما يستحقه بدقة وعدالة، تتعزز ثقته في مؤسسات الدولة، ويصبح شريكًا حقيقيًا في مسيرة البناء.
هي دعوة عالية لتبني “ثقافة الدقة” كمنهج حياة. فاليوم العالمي للمترولوجيا يجب ألا يمر كاحتفال رمزي سنوي، ولكن ينبغي أن يكون محطةً لتجديد الالتزام بجعل القياس أداة للإصلاح، ومنهجًا للحكم الرشيد، وجسرًا لبناء الثقة. فبالقياس تُصان الحقوق، وبالمعايرة تُضبط الحياة، وبالدقة تُبنى الأوطان.

