قطار الشوق… متين ترحل تودينا نشوف بلداً حنان أهلها ترسى هناك ترسينا
مرفأ الكلمات عثمان عولي

حين يصدح صوت البلابل والغناء السوداني الأصيل بهذه الكلمات، لا يبدو الأمر مجرد أغنية تحفظها الذاكرة، بل يصبح مرآةً لوجدان شعبٍ أنهكته الحرب، وأثقلته الغربة، وظل قلبه معلقًا هناك… حيث الوطن الذي لا يغادر الروح مهما ابتعدت الخطى.
الإثنين السادس من يوليو 2026 لم يكن يومًا عاديًا في محطة رمسيس بالقاهرة، بل كان موعدًا مع مشهد تختلط فيه الدموع بالابتسامات، والحنين بالأمل، مع انطلاق «قطار المبدعين والاعلاميين » حاملاً نخبة من المبدعين والإعلاميين السودانيين في رحلة العودة الطوعية إلى وطنهم، بعد رحلة نزوح فرضتها ظروف الحرب.
لم يكن القطار مجرد وسيلة نقل، بل كان رسالةً بأن السودان ما زال قادرًا على استدعاء أبنائه، وأن مرحلة البناء لا تكتمل إلا بعقول مبدعيه وأقلام إعلامييه وفنانيه ومثقفيه، فهم شركاء أصيلون في صناعة الوعي وإعادة ترميم الإنسان قبل الحجر.
وفي هذا المشهد، تستحق جمهورية مصر العربية قيادةً وحكومةً وشعبًا كل التقدير على ما قدمته من احتضان كريم للأشقاء السودانيين طوال فترة الأزمة، فقد فتحت أبوابها وقدمت التسهيلات التي خففت من قسوة اللجوء، ورسخت نموذجًا للعلاقات التاريخية التي تجمع الشعبين.
وجاءت كلمات محمد جبارة، المدير العام لمركز الإعلام للإنتاج الفني بوزارة الثقافة والإعلام السودانية والمستشار الاسبق بسفارتنا بالقاهرةوالذي لعب دورا كبيرا واسهم في بناء جسر العلاقات الاعلاميةوالابداعية والثقافية بين السودان ومصر ، والذي عبر عن هذا الامتنان امام اجهزة الاعلام السودانية والمصرية، وهو يؤكد أن نجاح برامج العودة الطوعية ما كان ليتحقق لولا التعاون الكبير الذي وجدته المبادرات السودانية من الجانب المصري. كما أوضح أن القطار، الذي جاء برعاية وزير الثقافة والإعلام الدكتور خالد الأعيسر، يتسع لنحو 1200 راكب، وأن أكثر من 750 مبدعًا وإعلاميًا سجلوا أسماءهم للعودة، في خطوة تستهدف استعادة الكفاءات الوطنية للمساهمة في التعافي وإعادة الإعمار.
إن الأوطان لا تبنيها الجدران وحدها، وإنما تبنيها العقول التي تؤمن بها، والقلوب التي لم تفقد الأمل فيها. واليوم يعود أبناء السودان وهم يحملون معهم خبرات اكتسبوها، وتجارب صقلتها المحنة، وإصرارًا على أن يكونوا جزءًا من ميلاد وطن يستحق الحياة.
سيظل قطار الشوق يسير ما دامت القلوب تهفو إلى السودان، وستظل العودة أجمل الأحلام حين تكون نحو أرضٍ تنادي أبناءها، وحين يلتقي الحنين بالفعل، يصبح المستقبل أكثر إشراقًا، ويبدأ السودان صفحة جديدة عنوانها: العودة… ثم البناء.


