
ليست كل المؤسسات تُقاس بما تقدمه من مساعدات، وإنما بما تتركه من أثر، وبما تصنعه من تحول في حياة الناس. فالعمل الإنساني الحقيقي لا يتوقف عند إغاثة المحتاج، بل يمتد ليمنحه القدرة على النهوض من جديد، ويزرع فيه الأمل بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الحاضر.
ومن هذا المنطلق، تكتب جمعية إسناد لدعم المتضررين بالحروب والكوارث فصلاً جديداً في مسيرة العمل الوطني والإنساني، لتنتقل بثبات من مرحلة الاستجابة للأزمة إلى مرحلة صناعة المستقبل، ومن ثقافة الإغاثة إلى ثقافة التنمية، ومن تقديم المعونة إلى بناء الإنسان.
لقد أثبتت الجمعية خلال الفترة الماضية حضورها الميداني بجدارة، عندما نجحت في توزيع سلات غذائية على آلاف من الأسر السودانية وقد بلغت عدد السلال 7573 في آخر احصائية في رمضان الماضي شملت كل الاسر المتضررة، في واحدة من أكبر المبادرات الإنسانية التي خففت من آثار النزوح وقسوة الظروف المعيشية. ولم يكن النجاح في حجم المساعدات وحده، بل في حسن التنظيم، وانتشار المتطوعين، وتطبيق الوسائل التقنية الحديثة عبر نظام COPO، الذي عزز الشفافية، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بكل دقة واحترام لكرامة الإنسان.
غير أن الإنجاز الأكبر لا يكمن فيما أُنجز بالأمس، وإنما فيما يُرسم للمستقبل اليوم.
فبتوقيع بروتوكول التعاون مع جمعية معًا لحياة أفضل لإطلاق برنامج متخصص لتأهيل خمسين متدربة سودانية في مجالي الخياطة وتطريز المفروشات، تكون جمعية إسناد قد أعلنت بداية مرحلة جديدة عنوانها التمكين الاقتصادي وإعداد كوادر وطنية تسهم في إعادة إعمار السودان.
هذه المبادرة تحمل فهماً عميقاً لمعنى إعادة الإعمار؛ فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، وإنما تُبنى بالعقول المدربة، والسواعد الماهرة، والنساء والرجال القادرين على الإنتاج. فإعداد الإنسان هو الاستثمار الحقيقي الذي يبقى أثره لعقود، وهو الضمانة الأساسية لنهضة أي وطن يخرج من أتون الحروب.
ويكتسب البرنامج أهمية خاصة لأنه لا يكتفي بالتدريب النظري، بل يوفر تدريباً عملياً يمتد ستة أشهر، مع الإقامة والمكافآت الشهرية، بما يهيئ بيئة احترافية تصنع كوادر مؤهلة قادرة على دخول سوق العمل والإنتاج، وتأسيس مشروعات صغيرة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني.
كما أن مغادرة الدفعة الأولى من المتدربات إلى محافظة الدقهلية لبدء البرنامج ليست مجرد رحلة تدريب، وإنما هي رحلة نحو بناء مستقبل جديد لنساء سيصبحن، بإذن الله، جزءاً من مشروع إعادة إعمار السودان، وحاملات لرسالة الاعتماد على الذات والإنتاج.
وتحسب للأستاذة أميرة الفاضل، رئيس مجلس إدارة الجمعية، رؤيتها التي وضعت الإنسان في مقدمة الأولويات، مؤمنة بأن بناء القدرات هو الطريق الأقصر نحو التنمية المستدامة، كما يستحق السفير كمال حسن علي وكل أعضاء مجلس الإدارة والعاملين والمتطوعين الإشادة بما يبذلونه من جهد صادق، أثبت أن العمل المؤسسي المنظم قادر على صناعة الفارق حتى في أصعب الظروف.
إن السودان، وهو يطوي صفحات الحرب، يحتاج إلى مثل هذه المبادرات التي تزرع بذور المستقبل قبل أن تُرفع الجدران، لأن إعادة الإعمار تبدأ بإعادة بناء الإنسان، وتنتهي بقيام وطن قادر على الوقوف بثقة بين الأمم.
إن ما تفعله جمعية إسناد اليوم ليس مجرد تنفيذ لمشروعات خيرية أو برامج تدريبية، بل هو كتابة لتاريخ جديد، عنوانه أن الإرادة الوطنية، حين تتسلح بالإخلاص والعلم والعمل، قادرة على تحويل الألم إلى أمل، والمحنة إلى فرصة، والإغاثة إلى نهضة، ليبقى الإنسان السوداني دائماً هو الثروة الحقيقية، وهو حجر الأساس في بناء السودان الجديد.


