
…العدل لا يتجزأ
فمن طالب بحقه، وجب عليه أن ينصف غيره.
فالميزان الذي نطلب أن يستقيم لنا، لا بد أن يستقيم للآخرين أيضًا. ⚖️
تأتي الأخبار من هنا وهناك، وتتصدر العناوين قرارات وتصريحات ووعود، ويكتب كبار الصحفيين، ويتحدث المسؤولون عن الحوافز والمكافآت، بينما يقف المواطن البسيط في الجهة الأخرى من المشهد، يحمل وحده فاتورة الحرب وآثارها الثقيلة.
مواطن عاد إلى وطنه، فلم يجد وطنه كما تركه.
عاد إلى بيتٍ تهدمت جدرانه، أو نُهبت محتوياته، أو قُطعت أسلاكه وكابلات الكهرباء منه. عاد وهو يحلم فقط بأن يجد سقفًا يأويه، وماءً يصل إلى منزله، وكهرباء تضيء ليل أسرته، وطريقًا آمنًا يعينه على استعادة حياته.
لكن السؤال المؤلم:
هل يستطيع هذا المواطن إصلاح داره؟
هل يستطيع شراء الأسلاك والكابلات وإعادة الكهرباء؟
هل يستطيع توفير احتياجات أسرته في ظل الغلاء وضيق ذات اليد؟
ثم يسمع أخبارًا عن حوافز ومكافآت ومنح تُصرف هنا وهناك…
وهنا لا نعترض على تكريم من يستحق، ولا نرفض مكافأة من بذل جهدًا استثنائيًا، ولكن العدل يقتضي أن يكون المواطن الذي تحمل ويلات الحرب حاضرًا في حسابات الدولة، لا أن يكون آخر من يُنظر إليه.
فالموظف الذي ينتظر حافزًا،
هناك مواطن ينتظر بيتًا صالحا للسكن.
وهناك أسرة تنتظر عودة الكهرباء.
وهناك أب يقف عاجزًا أمام احتياجات أطفاله.
وهناك أم تحاول أن تعيد بناء حياة أسرتها من الصفر.
الوطن بعد الحرب لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء المباني… بل يحتاج إلى إعادة بناء حياة الإنسان.
وإذا كانت الدولة تريد أن تستعيد ثقة المواطن، فعليها أن تجعل العدالة أساسًا في القرارات، وأن تكون الأولوية لمن فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم وخدماتهم الأساسية.
فالإنصاف ليس شعارًا نرفعه عندما نطالب بحقوقنا، ثم ننساه عندما يتعلق الأمر بحقوق الآخرين.
العدل الذي نطلبه لأنفسنا، يجب أن نمنحه لغيرنا.
والميزان الذي نريد أن يستقيم لنا، يجب أن يستقيم للجميع.
يا أصحاب القرار…
المواطن لا يريد المستحيل.
يريد أن يعيش بكرامة.
يريد بيتًا آمنًا.
يريد كهرباء وماءً وخدمات أساسية.
يريد أن يعمل ويكسب قوته بيده.
يريد أن يشعر أن الدولة تقف إلى جانبه، لا أن يظل وحده في مواجهة آثار الحرب.
فاجعلوا المواطن البسيط في مقدمة الأولويات، لا في هامش الأخبار.
اللهم أصلح حال البلاد والعباد، وألّف بين القلوب، وارفع عن السودان وأهله البلاء، ويسّر أمر البلاد، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وولِّ علينا خيارنا، واجعل القادم خيرًا مما مضى.
فالعدل أساس الدولة، والإنصاف بداية التعافي، والمواطن هو الوطن.


