
بعد الحرب. من يملك حق صناعة مستقبل السودان*
في الحروب لا يتساوى السودانيون في القدرة على حماية أنفسهم. هناك من يجد نفسه في الخطوط الأمامية. وهناك من يحمل أسرته إلى طريق النزوح. وهناك من يغادر البلاد بحثاً عن الأمان. وهناك من يملك من الموارد والعلاقات ما يتيح له أن يختار المكان الأكثر أمناً.
هذه ليست مفارقة سودانية وحدها. لكنها تصبح أكثر إيلاماً عندما تتحول الفوارق التي فرضتها الحرب إلى امتيازات سياسية بعد انتهائها.
فمن حق المواطن أن ينجو من الحرب. ومن حق الأسرة أن تبحث عن الأمان. وليس من العدل أن يصبح مكان إقامة الإنسان أثناء الحرب معياراً لإدانته أو تبرئته.
لكن السياسة ليست مجرد مكان إقامة.
السياسة مسؤولية.
ومن يطلب المشاركة في صناعة مستقبل بلد خرج من حرب مدمرة عليه أن يجيب عن أسئلة تتجاوز موقعه الجغرافي. ماذا كان موقفه من الحرب. ماذا فعل من أجل السلام. كيف تعامل مع معاناة السودانيين. وما المشروع الذي يحمله للمرحلة المقبلة.
لقد دفع السودانيون ثمناً ثقيلاً.
جنود ومدنيون فقدوا أرواحهم.
أسر فقدت أبناءها.
ملايين اضطروا إلى النزوح.
بيوت ومؤسسات دمرت.
ومجتمعات كاملة تحملت آثار الحرب.
وفي الوقت نفسه عاش سودانيون آخرون خارج البلاد. بعضهم غادر طلباً للأمان. وبعضهم عمل من الخارج لمساعدة أسرته أو خدمة وطنه. وبعضهم واصل نشاطه السياسي والإعلامي.
ومن المهم هنا عدم وضع الجميع في سلة واحدة.
فالخروج من السودان ليس جريمة.
والإقامة في الخارج ليست دليلاً على الخيانة.
لكن الموقف السياسي أثناء الحرب مسألة أخرى.
وهنا ينبغي أن يبدأ الحوار الوطني الحقيقي.
ليس من سؤال من كان في الداخل ومن كان في الخارج.
بل من سؤال ماذا فعل كل طرف خلال الأزمة.
ومن هذه الزاوية يصبح الحوار السوداني السوداني فرصة لإعادة تعريف المشاركة السياسية نفسها.
فليس المطلوب إقصاء من غادروا.
وليس المطلوب منح العائدين حصانة سياسية.
المطلوب معيار واحد للجميع.
المواطنة.
والنزاهة.
والكفاءة.
والموقف الواضح من الحرب.
والالتزام بالسلام.
واحترام القانون.
والاستعداد لتحمل المسؤولية.
أي حوار سوداني سوداني جاد يحتاج إلى معايير معلنة قبل أن تبدأ جلساته.
أولها الالتزام بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.
وثانيها رفض استخدام القوة والعنف للوصول إلى السلطة أو فرض الرؤية السياسية.
وثالثها الالتزام بحماية المدنيين ورفض استهدافهم أياً كان الطرف الذي يرتكب الانتهاك.
ورابعها احترام القانون وحقوق الإنسان والعمل من أجل عدالة مستقلة وشفافة.
وخامسها رفض خطاب الكراهية والتحريض على أساس العرق أو الجهة أو القبيلة أو الانتماء السياسي.
وسادسها الشفافية في العلاقات والتمويلات والارتباطات الخارجية ذات الصلة بالنشاط السياسي.
وسابعها الإعلان الواضح عن المواقف السابقة والحالية تجاه الحرب والسلام دون انتقائية.
وثامنها امتلاك رؤية قابلة للتطبيق بشأن إنهاء الحرب وإعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة.
وتاسعها الكفاءة والخبرة والنزاهة باعتبارها شروطاً للمشاركة في إدارة المرحلة المقبلة.
وعاشرها الالتزام بقواعد الحوار ونتائجه وعدم استخدامه بوابة للعودة إلى الصراع بوسائل أخرى.
هذه المعايير لا تعني صناعة قائمة سوداء للسياسيين.
ولا تعني أن من غادر السودان يفقد حقه في المشاركة.
بل تعني أن المشاركة في صناعة القرار العام يجب أن تكون مرتبطة بالمسؤولية.
فالسودان يحتاج إلى أبنائه جميعاً.
يحتاج إلى من بقي في الداخل.
ويحتاج إلى من اضطر إلى النزوح.
ويحتاج إلى من عاش في الخارج.
ويحتاج إلى الكفاءات التي يمكن أن تساهم في إعادة بناء الدولة.
لكن السودان لا يحتاج إلى عودة الصراع القديم بأسماء جديدة.
ولا يحتاج إلى تحويل نهاية الحرب إلى موسم جديد للمحاصصة.
ولا يحتاج إلى أن تكون المناصب ثمناً لتسويات سياسية مغلقة.
المرحلة المقبلة يجب أن تنقل السودان من سؤال من يملك السلطة إلى سؤال كيف تُدار السلطة.
ومن سؤال من يربح إلى سؤال كيف يربح الوطن.
ومن سؤال من يمثل هذا الحزب أو ذاك إلى سؤال من يستطيع أن يمثل مصالح السودانيين.
وهنا تأتي مسؤولية الحوار.
الحوار الحقيقي يجب أن يضع على الطاولة قضايا الدولة لا كراسي الدولة.
قضايا المواطنة.
والعدالة.
والأمن.
وإعادة الإعمار.
وإصلاح مؤسسات الدولة.
وعودة النازحين واللاجئين.
ومعالجة آثار الحرب.
وبناء اقتصاد قادر على استيعاب الشباب وإعادة الحياة إلى المناطق التي دمرها الصراع.
فالسلام الذي يوقف إطلاق النار فقط قد يكون بداية جيدة. لكنه لا يكفي.
السلام المستدام يحتاج إلى معالجة الأسباب التي قادت إلى الحرب.
ويحتاج إلى عدالة تمنح الضحايا شعوراً بأن الدولة لم تنسهم.
ويحتاج إلى مؤسسات تمنع تكرار الانتهاكات.
ويحتاج إلى نظام سياسي يجعل الوصول إلى السلطة عبر الإرادة الشعبية والمؤسسات لا عبر السلاح.
إن السودان لا يحتاج بعد هذه الحرب إلى منتصر سياسي جديد.
بل يحتاج إلى دولة تنتصر على أسباب الحرب.
ولا يحتاج إلى طبقة سياسية جديدة تتقاسم النفوذ.
بل يحتاج إلى مؤسسات قوية تجعل النفوذ خاضعاً للقانون.
ولا يحتاج إلى إقصاء أحد.
بل يحتاج إلى معايير عادلة تنطبق على الجميع.
وفي النهاية فإن السؤال ليس من هرب ومن بقي.
السؤال الأعمق هو من تحمل المسؤولية ومن يستطيع تحملها الآن.
ليس المطلوب أن نسأل الإنسان أين كان عندما اشتعلت الحرب فقط.
بل علينا أن نسأله ماذا فعل عندما كان السودان يحترق.
وماذا تعلم من الحرب.
وماذا سيقدم للسودان بعد الحرب.
وهل يستطيع أن يضع المصلحة الوطنية فوق مصلحته السياسية.
هذه الأسئلة ليست رغبة في الانتقام.
إنها محاولة لحماية المستقبل.
فالسودان الذي خرج من الحرب لن يستطيع أن يبني مستقبله بعقلية ما قبل الحرب.
نحتاج إلى صفحة جديدة.
لكن الصفحة الجديدة لا تعني نسيان ما حدث.
ولا تعني إعفاء المسؤولين من مسؤولياتهم.
ولا تعني تحويل التضحيات إلى هامش في اتفاق سياسي.
تعني أن نتعلم من المأساة وأن نبني نظاماً سياسياً يمنع تكرارها.
ومن هنا يجب أن يكون الحوار السوداني السوداني بداية لعقد وطني جديد.
عقد لا تكون فيه السلطة غنيمة.
ولا المعارضة خصومة دائمة.
ولا الجيش طريقاً إلى الحكم.
ولا المال وسيلة لشراء النفوذ.
ولا الخارج بديلاً عن الإرادة الوطنية.
عقد تكون فيه المواطنة أساس المشاركة.
والكفاءة معيار المسؤولية.
والقانون مرجعية الجميع.
والسلام خياراً استراتيجياً.
والعدالة طريقاً للمصالحة.
فبعد كل هذا الدم والدمار لا يحق للسودانيين أن يعودوا إلى النقطة التي بدأوا منها.
السؤال الحقيقي بعد الحرب ليس من سيجلس في القصر.
السؤال هو كيف نبني وطناً لا يضطر فيه أبناؤه إلى القتال من أجل حقوقهم.
وكيف نبني دولة لا يكون فيها الفقير وقوداً للحرب ثم بعيداً عن صناعة السلام.
وكيف نجعل من نهاية الحرب بداية لعهد تكون فيه الدولة ملكاً لمواطنيها جميعاً.
ذلك هو الاختبار الحقيقي للحوار السوداني السوداني.
وذلك هو المعنى الحقيقي للسلام.



