البرهان ومفضل والاعيسر.. قراءة ماذا يريدون من الصحافة والإعلام؟
مرفأ الكلمات عثمان عولي

منعتنا ظروف الحرب ووجودنا خارج البلاد من أن نكون حضوراً في لقاء السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ومدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، كما حالت الظروف دون مشاركتنا في ملتقى الإعلاميين السودانيين الذي خاطبه وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة الأستاذ خالد الإعيسر.
ولكن غياب الجسد لا يعني غياب المتابعة، ولا يحجب عنا قراءة ما قيل، ولا يمنعنا من التوقف عند الرسائل التي حملتها هذه اللقاءات، خصوصاً أن الصحافة والإعلام لم يعودا مجرد مهنة تنقل الأخبار، وإنما أصبحا جزءاً أصيلاً من معركة الوعي، ومن معركة بناء السودان الذي سيخرج من هذه الحرب.
ومن هنا فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: ماذا قال البرهان ومفضل والإعيسر للإعلاميين؟
بل السؤال الأعمق: ماذا يريدون من الصحافة والإعلام في السودان القادم؟
وأحسب أن الإجابة لا ينبغي أن تُقرأ من الكلمات وحدها، وإنما من طبيعة المرحلة التي يعيشها السودان، ومن حجم المسؤولية التي تنتظر الإعلاميين والصحفيين في الداخل والخارج.
لقد كانت الحرب امتحاناً قاسياً للإعلام السوداني، كما كانت امتحاناً للمؤسسات والدولة والمجتمع. فقد وجد الصحفي نفسه في قلب الحدث، يعمل وسط الخوف والنزوح وانقطاع المؤسسات، وفي بيئة امتلأت بالمعلومات المتضاربة، والشائعات، والحسابات السياسية، والمنصات التي أصبحت أحياناً أكثر تأثيراً من المؤسسات الإعلامية التقليدية.
وهنا يجب أن نكون صريحين مع أنفسنا.
الإعلام السوداني خلال الحرب يحتاج إلى تقييم مهني شجاع.
فقد برز إعلاميون وصحفيون وقفوا في الخطوط الأمامية لنقل الحقيقة، ووثقوا الأحداث، ونقلوا معاناة المواطنين، ودافعوا عن الدولة ومؤسساتها، وكشفوا كثيراً من حملات التضليل التي استهدفت السودان.
وفي المقابل، كانت هناك أخطاء وممارسات لا ينبغي تجاهلها؛ من بينها التسرع في نشر المعلومات، وعدم التحقق الكافي من بعض الأخبار، والانجراف وراء خطاب الاستقطاب، وأحياناً الخلط بين الموقف الوطني والوظيفة المهنية للصحفي.
والتقييم هنا ليس محاكمة لأحد، وإنما هو محاولة للتعلم.
فالحرب تنتهي في الميدان، ولكن آثارها يمكن أن تستمر سنوات طويلة في الذاكرة والاقتصاد والمجتمع والإعلام.
ولذلك فإن المعركة القادمة ستكون معركة إعادة بناء الثقة.
ثقة المواطن في الدولة، وثقته في الجيش، وثقته في الإعلام، وثقته في أخيه السوداني المختلف عنه في القبيلة أو الجهة أو الثقافة أو الرأي.
وهنا تحديداً تظهر الوظيفة الأخطر للإعلام في المرحلة المقبلة.
الإعلام الذي نريده
نحن لا نحتاج إلى إعلام يردد ما تقوله السلطة، كما لا نحتاج إلى إعلام يجعل معارضة الدولة هدفاً دائماً.
نحتاج إلى إعلام مهني، وطني، مستقل في أدواته، مسؤول في خطابه، منحاز للحقيقة والمصلحة الوطنية.
الإعلام الذي نريده هو الذي يستطيع أن ينتقد دون أن يهدم، وأن يسأل دون أن يزايد، وأن يختلف دون أن يحرض، وأن يدافع عن الوطن دون أن يتحول إلى بوق، وأن يمارس حقه في المساءلة دون أن يصبح جزءاً من أجندة الآخرين.
وهذه هي المعادلة الصعبة.
فالصحفي ليس جندياً في الميدان، ولكنه يستطيع أن يكون جندياً في معركة الوعي، بالخبر الصحيح، والتحقيق المهني، والصورة الصادقة، والكلمة التي تجمع ولا تفرق.
الجيش.. والحقيقة التي يجب أن يعرفها العالم
ومن الملفات التي يجب أن يتعامل معها الإعلام السوداني بمهنية عالية، الخطاب الخارجي حول القوات المسلحة السودانية.
لقد ظهرت خلال الحرب اتهامات وحملات إعلامية خارجية خطيرة، وصلت في بعض المنابر إلى الحديث عن استخدام القوات المسلحة للأسلحة الكيميائية، وهي اتهامات بالغة الخطورة لا يجوز التعامل معها بالشائعات أو الانفعال، وإنما بالتحقق والأدلة والرد المهني الموثق.
وهنا يأتي دور الإعلام السوداني.
ليس المطلوب أن نواجه ادعاءً بادعاء، ولا شائعة بشائعة، وإنما أن نضع أمام العالم المعلومات والوثائق والشهادات والحقائق التي يمكن التحقق منها، وأن نترك المهنية قوةً للدفاع عن السودان.
وفي الوقت نفسه، فإن وطنية القوات المسلحة ينبغي أن تُشرح للعالم من خلال تاريخها ومؤسساتها ومواقفها، لا من خلال الشعارات وحدها.
القوات المسلحة السودانية، باعتبارها مؤسسة وطنية، لا ينبغي أن تُختزل في قبيلة أو جهة أو حزب سياسي. والرسالة الإعلامية المهمة هي أن الجيش مؤسسة قومية، وأن انتماءه المفترض هو للسودان والدستور والشعب، وليس لقبيلة أو منطقة أو حزب.
وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى مبالغة، وإنما تحتاج إلى إعلام مهني يوثق لها، ويضعها في سياقها التاريخي والمؤسسي، ويبرز التنوع الذي يضم أبناء السودان داخل المؤسسة العسكرية.
فالجيش القومي لا يكون قوياً فقط بالسلاح، وإنما أيضاً بثقة الشعب فيه، وبالتزامه بالقانون، وبقدرته على أن يكون مؤسسة جامعة للسودانيين.
لا بد أن ننتصر على آثار الحرب داخل النفوس
وإذا كانت الحرب قد تركت آثاراً على المدن والقرى والمؤسسات، فإن أخطر ما تركته ربما كان في النفوس.
لقد اتسعت مساحات الشك بين السودانيين، وبرزت خطابات قبلية وجهوية، وتراكمت صور سلبية عن الآخر.
وهنا لا يمكن أن نقول إن إعادة الإعمار تبدأ بالإسمنت والحديد فقط.
إعادة إعمار السودان تبدأ بإعادة إعمار الإنسان السوداني.
وهذه مهمة الإعلام قبل غيره.
على الصحافة أن تبحث عن قصص التعايش، لا قصص الكراهية فقط.
أن تقدم نماذج التعايش بين القبائل والمكونات.
أن تفتح صفحاتها للنازح والعائد، وللعامل والمزارع، وللطبيب والمهندس، وللجندي والمدني، وللشباب والمرأة، ولأهل المدن والأرياف.
أن تذكر السودانيين بأن اختلافهم ليس عيباً، وأن تعدد القبائل والثقافات واللغات والمناطق ليس سبباً للحرب، وإنما يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أحسنّا إدارته.
السودان ليس قبيلة واحدة، ولا ثقافة واحدة، ولا لوناً واحداً.
السودان وطن متعدد، ووحدته لا تعني إلغاء هذا التنوع، وإنما تعني أن يجد كل هذا التنوع مكانه تحت راية وطن واحد.
من إعلام الحرب إلى إعلام المستقبل
ولعل رسالة الأستاذ خالد الإعيسر في ملتقى الإعلاميين حملت جانباً مهماً من هذه الرؤية، حين تحدث عن إعلام لا يكتفي بوصف ما يحدث، وإنما يساهم في تشكيل ما ينبغي أن يكون.
وهذه نقطة جوهرية.
فالمرحلة القادمة تحتاج إلى الانتقال من إعلام الحرب إلى إعلام البناء.
إعلام يشرح للناس معنى إعادة الإعمار.
إعلام يراقب مشروعات الدولة.
إعلام يطرح الأسئلة الاقتصادية.
إعلام يفتح ملفات التعليم والصحة والخدمة المدنية.
إعلام يحارب الفساد بالمعلومة والتحقيق.
إعلام يراقب أداء المؤسسات دون تشهير.
إعلام يساهم في المصالحة الوطنية.
إعلام يعيد للسودانيين صورتهم عن أنفسهم، ويقدم السودان للعالم كما هو، لا كما تريد بعض المنابر الخارجية أن يكون.
وهنا أيضاً يجب أن ننتبه إلى الإعلام الخارجي.
السودان يحتاج إلى خطاب إعلامي خارجي محترف، لا يكتفي بالرد على الآخرين، وإنما يبادر إلى صناعة الرواية السودانية.
العالم لا ينتظر السودان دائماً لكي يشرح نفسه؛ فهناك من يتحدث عنه ويقدم روايته نيابة عنه.
ولذلك نحتاج إلى مراكز إعلامية محترفة، ومتحدثين مؤهلين، ومواد إعلامية باللغات العالمية، وملفات موثقة، وإنتاج وثائقي، وصحافة استقصائية، ومنصات رقمية تستطيع مخاطبة العالم بلغة يفهمها.
الإعلام ليس تابعاً للحكومة.. وليس عدواً لها
وهنا أتوقف عند واحدة من أهم الرسائل التي ينبغي أن تخرج من ملتقى الإعلاميين.
العلاقة بين الدولة والصحافة يجب ألا تكون علاقة وصاية أو خصومة.
الدولة تحتاج إلى الإعلام، والإعلام يحتاج إلى بيئة تحميه.
والصحفي يحتاج إلى حرية الحركة والوصول إلى المعلومات، والمؤسسة تحتاج إلى قوانين واضحة تحمي المهنة وتمنع في الوقت نفسه الفوضى الإعلامية والتضليل والتحريض على الكراهية.
ولذلك فإن إعادة بناء المؤسسات الإعلامية التي دمرتها الحرب يجب أن تكون جزءاً من مشروع إعادة بناء الدولة.
صحف، إذاعات، تلفزيون، وكالات أنباء، منصات رقمية، مراكز تدريب، أرشيف وطني، مؤسسات إنتاج، ومؤسسات صحفية مستقلة قادرة على أداء دورها.
فلا يمكن أن نبني دولة حديثة بإعلام ضعيف.
ماذا يريدون من الصحافة؟
إذا حاولنا قراءة ما بين السطور، فإن البرهان ومفضل والإعيسر، كلٌ من موقعه، يضعون أمام الإعلاميين سؤالاً كبيراً:
هل تستطيع الصحافة السودانية أن تنتقل من مجرد نقل الحدث إلى صناعة الوعي؟
هل تستطيع أن تكون جزءاً من حماية الدولة دون أن تفقد مهنيتها؟
هل تستطيع أن تدعم القوات المسلحة في الدفاع عن الوطن دون أن تتخلى عن أدوات الصحافة؟
هل تستطيع أن تواجه التضليل الخارجي بالمعلومة لا بالصراخ؟
هل تستطيع أن تساعد في رتق النسيج الاجتماعي؟
هل تستطيع أن تفتح نافذة للمصالحة دون أن تمحو حقوق الضحايا؟
هل تستطيع أن تقدم السودان للعالم كما هو بتنوعه وتاريخه وثقافاته وشعبه؟
وهل تستطيع أن تصنع إعلام المستقبل بدلاً من إعادة إنتاج إعلام الماضي؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
وأعتقد أن الصحفي السوداني أمام مسؤولية تاريخية لا تقل أهمية عن مسؤولية أي مؤسسة من مؤسسات الدولة.
فبعد أن كان السؤال خلال الحرب: كيف ننتصر؟
يجب أن يصبح السؤال الآن، ومع كل خطوة نحو نهاية الحرب: كيف نبني سوداناً يستحق هذا الانتصار؟
والإعلام في هذه المعركة ليس مشاهداً.
إنه شريك.
شريك في رتق النسيج الاجتماعي، وفي إزالة آثار الكراهية، وفي حماية الذاكرة الوطنية، وفي كشف التضليل، وفي تقديم الحقيقة، وفي بناء الثقة، وفي صناعة الرأي العام، وفي رسم صورة السودان الجديد.
نحتاج إعلاماً لا يسأل السوداني: من أنت؟
بل يسأله:
ماذا تستطيع أن تقدم لوطنك؟
ونحتاج جيشاً وطنياً قوياً يحمي السودان، وإعلاماً مهنياً قوياً يحمي الحقيقة، ودولةً عادلةً تحمي المواطن، ومجتمعاً متماسكاً يعرف أن اختلاف قبائله وثقافاته وجهاته هو جزء من ثرائه، وأن الوحدة ليست أن نتشابه، وإنما أن نختلف ونبقى سودانيين.
ربما لم نكن في القاعة.
لكننا كنا، وما زلنا، في قلب السؤال.
أي إعلام نريد للسودان؟
والإجابة عندي واضحة:
نريد إعلاماً وطنياً لا يتحزب للوطنية، ومهنياً لا يتجرد من مسؤوليته الوطنية، حراً لا يتحول إلى فوضى، مستقلاً لا يتحول إلى أداة للآخرين، وناقداً لا يهدم، ومدافعاً عن الحقيقة لا عن الأشخاص.
ذلك هو الإعلام الذي يستطيع أن يرافق السودان من خندق الحرب إلى ميدان البناء.
فالحرب قد تصنع الانتصار في الميدان، لكن الإعلام يستطيع أن يحول الانتصار إلى وعي، والوحدة إلى مشروع، والمستقبل إلى حقيقة.


