
جاء البروفيسور كامل إدريس إلى رئاسة الوزراء محملاً بسيرة أكاديمية مشرفة، معروفاً بالهدوء والتهذيب، لكنه تولى المسؤولية في واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها السودان؛ مرحلة أنهكت فيها الحرب مؤسسات الدولة، وأثقلت الأزمات الاقتصادية كاهل المواطنين، وأصبحت فيها مهمة إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع تحدياً لا يحتمل التأجيل.
ومنذ تشكيلها، واجهت حكومة الأمل جملة من التحديات التي ألقت بظلالها على أدائها، في ظل تعقيدات سياسية واقتصادية وإدارية، فضلاً عن تضارب المصالح الذي قد يعرقل جهود الإصلاح ويحد من قدرة الحكومة على تنفيذ برامجها بالصورة التي ينتظرها المواطن.
ولست هنا بصدد الدفاع عن البروفيسور كامل إدريس أو تحميله وحده مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، بقدر ما أسعى إلى قراءة المشهد بإنصاف، ووضع الأداء الحكومي أمام ميزان المسؤولية الوطنية. فالنجاح لا يتحقق بالنوايا وحدها، و إنما بقدرة المسؤولين على تحويل الخطط إلى إنجازات ملموسة يشعر بها الناس في معاشهم وخدماتهم الأساسية.
وفي حكومة الأمل، كما في أي حكومة، تتفاوت مستويات الأداء بين مسؤول وآخر؛ فهناك من بذل جهوداً تستحق التقدير، وهناك من لا تزال حصيلة عمله بحاجة إلى مراجعة جادة، خاصة في الملفات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة. والمطلوب اليوم هو تقييم موضوعي لأداء الوزارات، يستند إلى النتائج والإنجازات، لا إلى التصريحات أو كثرة الظهور والسفر والمشاركات الخارجية.
إن المسؤولية الوطنية تقتضي كذلك مراجعة سياسات التعيين والترقيات، والتأكد من أن المواقع العامة تمنح على أساس الكفاءة والخبرة والنزاهة، بعيداً عن المحسوبية والمجاملات. فالدولة التي تسعى إلى التعافي لا يمكنها أن تتحمل أعباء إضافية بسبب قرارات لا تضع المصلحة العامة في مقدمة أولوياتها.
وما يؤلم المواطن السوداني اليوم ليس مجرد تعثر بعض السياسات، بل اتساع الفجوة بين احتياجاته اليومية وما تقدمه له مؤسسات الدولة. فهناك أسر تعجز عن توفير الغذاء، وأطفال حُرموا من مواصلة تعليمهم بسبب الظروف الاقتصادية، ومرضى يواجهون مشقة الحصول على الدواء والعلاج. هذه القضايا ينبغي أن تكون حاضرة في ضمير كل مسؤول، وأن تتقدم على أي اعتبارات أخرى.
أما القطاع الاقتصادي، فهو أمام مسؤولية مضاعفة، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط على الأسر. ومن ثم، فإن المطلوب من القائمين عليه تقديم حلول عملية، ووضع برامج واضحة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، ومراجعة السياسات التي تثقل كاهل المواطن، مع الالتزام بالشفافية والمساءلة. وإذا عجز المسؤول عن تحقيق الأهداف الموكلة إليه، فإن مراجعة أدائه أو إفساح المجال أمام بديل أكثر قدرة تظل من الخيارات المشروعة التي تفرضها المصلحة العامة.
البروفيسور كامل إدريس، بما عُرف عنه من هدوء وتهذيب، يحتاج في هذه المرحلة إلى إظهار قدر أكبر من الحزم الإداري، وتعزيز آليات الرقابة والمحاسبة، والتعامل بصرامة مع أي تجاوزات تثبتها التحقيقات. فالمرحلة لا تحتمل المجاملات على حساب حقوق المواطنين، كما أن مكافحة الفساد والتهريب والتلاعب بالأسواق تتطلب إرادة سياسية واضحة، وتطبيقاً عادلاً للقانون على الجميع دون استثناء.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى قرارات شجاعة، وإدارة فعّالة، ومؤسسات تعمل بروح الفريق الواحد. كما يحتاج إلى حكومة تجعل تحسين معاش الناس أولوية قصوى، وتمنح ملفات الصحة والتعليم والخدمات والإنتاج الاهتمام الذي تستحقه.
وفي نهاية المطاف، فإن قيمة حكومة الأمل لن تقاس بأسماء شاغلي المناصب أو بحسن النوايا، و إنما بما تحققه على أرض الواقع. وإذا لم يتمكن بعض الوزراء من الوفاء بمتطلبات المسؤولية، فإن الاستقالة أو إتاحة الفرصة للكفاءات أخرى ينبغي أن تطرح باعتبارها خيارات مسؤولة، لا انتقاصاً من أحد.
فالمناصب العامة تكليف قبل أن تكون تشريفاً، وخدمة المواطن هي المعيار الحقيقي للنجاح. وبين أخلاق البروفيسور وتحديات المصالح، تبقى الآمال معلقة على حكومة قادرة على استعادة ثقة الشارع، ومواجهة الاختلالات بشجاعة، ووضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار.


