إنقاذ الجنيه السوداني.. مفاتيح عاجلة لوقف التدهور واستعادة الثقة
محمد عبدالله عنتر – باحث اقتصادي

لم يعد تدهور قيمة الجنيه السوداني قضية نقدية منفصلة عن بقية الاقتصاد، بل أصبح نتيجة مباشرة لاختلال العلاقة بين الإنتاج والنقد والإنفاق والتجارة الخارجية والنقد الأجنبي. وكلما اتسعت الفجوة بين ما ينتجه الاقتصاد وما ينفقه، وبين ما يكسبه السودان من العملات الأجنبية وما يحتاجه لتمويل وارداته، ازدادت الضغوط على الجنيه وتآكلت قوته الشرائية.
لكن التحدي الأكثر إلحاحاً الآن ليس وضع تصور نظري طويل الأجل، وإنما وقف نزيف العملة الوطنية خلال المدى القصير، واستعادة الثقة في الجنيه، وتكوين احتياطي نقد أجنبي عاجل، وإعادة تنظيم سوق التجارة والصرف.
وهذا يتطلب الانتقال من سياسة التعامل مع النتائج إلى معالجة مصادر التدهور نفسها.
*أين يبدأ الإنقاذ؟*
يمكن اختصار المشكلة في معادلة واضحة: طلب مرتفع على النقد الأجنبي مقابل عرض محدود، وسيولة محلية لا تقابلها زيادة كافية في الإنتاج.
ومن ثم فإن مفتاح المعالجة القصيرة الأجل هو العمل على محورين متزامنين: زيادة المعروض من النقد الأجنبي، وتقليل الطلب غير الضروري عليه.
ولا يمكن تحقيق ذلك بإجراء واحد، وإنما بحزمة متكاملة من السياسات.
*أولاً: بناء احتياطي نقد أجنبي عاجل*
أول خطوة يجب أن تكون إنشاء برنامج طوارئ لبناء احتياطي من العملات الأجنبية، لأن الاحتياطي هو خط الدفاع الأول عن الاستقرار النقدي وتمويل الواردات الضرورية.
ويمتلك السودان مصادر يمكن تعبئتها سريعاً، وفي مقدمتها الذهب، وحصائل الصادرات الزراعية والحيوانية، وتحويلات السودانيين بالخارج.
وهنا يجب أن تتغير فلسفة إدارة الموارد من مجرد تحصيل الإيرادات إلى تكوين احتياطي استراتيجي.
فالذهب، على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي دوراً مزدوجاً: جزء منه يبنى به احتياطي الذهب لدى البنك المركزي، وجزء يتم تحويله إلى نقد أجنبي عبر قنوات رسمية، بما يتيح للبنك المركزي امتلاك قدرة أكبر على إدارة سوق الصرف.
ولا يعني ذلك استخدام الذهب كغطاء كامل للجنيه والعودة إلى قاعدة الذهب، وإنما استخدامه كأصل احتياطي قوي وضمان لبعض أدوات التمويل.
*ثانياً: الذهب.. الاحتياطي الأسرع المتاح*
يحتاج السودان إلى منظومة وطنية متكاملة للذهب تبدأ من شراء الإنتاج المحلي بأسعار تنافسية وعادلة، وتمنع تسربه إلى قنوات غير رسمية.
ويجب أن يكون للبنك المركزي دور مباشر، بالتنسيق مع وزارة المالية والجهات المختصة، في إدارة جزء من هذه الحصيلة.
والهدف ليس السيطرة على تجارة الذهب، وإنما إبقاء أكبر قدر ممكن من قيمته داخل الاقتصاد الرسمي.
ويمكن تخصيص جزء من الذهب لبناء الاحتياطي، وجزء لتوفير العملات الأجنبية، وجزء كضمان لإصدارات مالية موجهة للإنتاج.
*ثالثاً: سندات دولارية مغطاة بالذهب*
ضمن الأدوات الاستثنائية للمرحلة الانتقالية، يمكن دراسة إصدار سندات دولارية مضمونة أو مدعومة بالذهب، على أن توجه حصيلتها حصراً إلى المشروعات الإنتاجية.
هذه الأداة لا ينبغي استخدامها لتمويل الإنفاق الحكومي الجاري، وإنما لتحويل أصل حقيقي إلى استثمار يولد دخلاً مستقبلياً.
يمكن توجيه التمويل إلى الزراعة، والطاقة، والنقل، والموانئ، والتعدين، والصناعات الغذائية، والمشروعات القادرة على زيادة الصادرات أو إحلال الواردات.
لكن نجاح هذه الأداة يتطلب شفافية كاملة في حجم الذهب المستخدم كضمان، وآلية تقييمه، وحماية حقوق المستثمرين، ووجود حساب مستقل للحصيلة.
*رابعاً: تحويل الصادرات إلى احتياطي*
لا ينبغي أن ينظر السودان إلى الصادرات فقط باعتبارها مصدراً للدخل، وإنما باعتبارها أداة لبناء الاحتياطي النقدي.
فالسمسم، والفول السوداني، والصمغ العربي، والقطن، واللحوم والثروة الحيوانية وغيرها من السلع يمكن أن توفر تدفقات سريعة للنقد الأجنبي.
ولهذا يجب تعزيز الرقابة على حصائل الصادرات، وضمان دخولها عبر الجهاز المصرفي، مع تقديم حوافز للمصدرين تجعل القنوات الرسمية أكثر جاذبية من السوق الموازي.
والأهم هو إعطاء الأولوية للسلع التي يمكن تصديرها بسرعة ولا تحتاج إلى دورة استثمار طويلة.
*خامساً: تحويلات المغتربين..* دولارات خارج الاقتصاد الرسمي
تمثل تحويلات السودانيين بالخارج أحد أسرع الموارد التي يمكن استعادتها.
لكن استعادة هذه الأموال لن تتم بالعقوبات وحدها.
المطلوب تقديم حزمة حوافز حقيقية تشمل سعر صرف مصرفي تنافسي، وحسابات بالعملات الأجنبية، وأدوات ادخار واستثمار، وإعفاءات محددة، وتسهيلات للمغتربين الراغبين في الاستثمار.
*والقاعدة هنا بسيطة:*
اجعل القناة الرسمية أكثر جاذبية من السوق الموازي، وستعود التحويلات إلى النظام المصرفي.
(لكن للأسف حتى الآن لا يوجد حصر لعدد المغتربين و توزيعاتهم بدول المهجر) تقتضي الضرورة استكمال البيانات الخاصة بهم لتسهيل عمليات التواصل و الاستفادة من التحويلات.
*سادساً: ضبط الواردات وإدارة كل دولار*
في ظل شح النقد الأجنبي، لا يستطيع السودان التعامل مع جميع الواردات باعتبارها متساوية في الأولوية.
لذلك يجب ألا تتم عملية الاستيراد إلا وفق موافقة وزارة التجارة والجهات المختصة وبناءً على قائمة وطنية واضحة للاحتياجات.
وتكون الأولوية للغذاء والدواء والطاقة ومدخلات الإنتاج والآلات والمعدات الضرورية.
لكن الموافقة على الاستيراد وحدها لا تكفي.
يجب إنشاء جهة فنية متخصصة للتحقق من التكلفة الحقيقية للواردات قبل السماح بتمويلها، بالاستناد إلى الأسعار العالمية وتكاليف الشحن والتأمين والرسوم والتكاليف الفعلية.
وهذا الإجراء ضروري لمنع تضخيم الفواتير وتحويل النقد الأجنبي إلى الخارج بأكثر من القيمة الحقيقية للسلع.
*سابعاً: ضبط الأسعار دون خنق السوق*
إن تراجع الجنيه يؤدي إلى ارتفاع تكلفة السلع، لكن المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما يستغل بعض التجار انخفاض العملة لرفع الأسعار بأكثر من الزيادة الحقيقية في التكلفة.
ولهذا تحتاج الدولة في المدى القصير إلى رقابة قوية و صارمه على أسعار السلع الأساسية.
يمكن للحكومة تحديد أسعار مرجعية دورية للسلع الأساسية، بناءً على التكلفة الحقيقية للاستيراد أو الإنتاج والنقل والرسوم وهامش ربح معقول.
ويجب أن تكون هذه الأسعار معلنة وقابلة للمراجعة وفق تغيرات التكلفة، حتى لا تتحول الرقابة إلى تسعير إداري جامد يؤدي إلى نقص السلع.
أما المخالفون، فيجب أن يخضعوا لعقوبات رادعة تشمل الغرامات وسحب التراخيص والإجراءات القانونية في حالات الاحتكار والتلاعب والتخزين بغرض المضاربة.
فالهدف ليس محاربة التجارة، وإنما حماية المستهلك ومنع تحول تراجع سعر الصرف إلى تضخم مضاعف.
*ثامناً: منع التلاعب في تكلفة الواردات والأسعار*
هناك علاقة مباشرة بين سعر الصرف وسعر السلعة المستوردة.
لذلك فإن تحديد تكلفة الواردات بواسطة جهة فنية متخصصة، وربطها بالأسعار العالمية، يمكن أن يصبح إحدى أهم أدوات ضبط الأسعار.
وينبغي إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية للأسعار العالمية وربطها بوزارة التجارة والجمارك والبنك المركزي والمصارف.
*وبذلك يمكن معرفة:*
كم تبلغ قيمة السلعة عالمياً؟ وكم تبلغ تكلفة شحنها وتأمينها؟ وكم تبلغ الرسوم؟ وكم هو هامش الربح المقبول؟
وعندها يصبح من الممكن كشف التضخيم في الفواتير قبل خروج النقد الأجنبي، وليس بعد وقوع الضرر.
*تاسعاً: المقاصة التجارية.. تقليل الحاجة إلى الدولار*
في ظل الأزمة، ينبغي للسودان أن يفكر خارج الأدوات التقليدية.
يمكن الدخول في اتفاقات مقاصة مع دول وشركاء تجاريين تسمح بتبادل السلع والخدمات وتسوية الأرصدة دورياً.
فبدلاً من دفع الدولار مقابل كل وارد، يمكن استيراد سلعة استراتيجية مقابل تصدير سلعة سودانية، على أن تتم تسوية الفرق وفق اتفاق واضح هذا الإجراء يعتبر من أهم الأدوات في المدى القصير لمعالجة تشوهات تاكل العملة و يحقق نتاىج فورية من خلال تقليل الضغط على طلب الدولار و بالتالي يخلق حيز نقدي.
كما يمكن دراسة ترتيبات مقاصة بين العملة السودانية وعملات بعض الشركاء، بسقوف محددة وفترات زمنية واضحة، مع تسوية الأرصدة النهائية بعملة قابلة للتحويل العديد من الدول تستخدم هذا الإجراء لتوفير احتياطي نقدي يقابل الطلب و يعمل على استقرار أسعار الصرف .
*عاشراً: الشركات الحكومية يجب أن تدخل معركة النقد الأجنبي*
في المرحلة القصيرة، يمكن للشركات الحكومية القادرة على الإنتاج والتصدير أن تلعب دوراً مهماً في توفير العملات الأجنبية.
لكن ذلك يتطلب إعادة توجيهها نحو القطاعات التي يمكن أن تحقق عائداً سريعاً، خصوصاً الذهب والزراعة والثروة الحيوانية والخدمات اللوجستية.
ويجب أن تقاس هذه الشركات بقدرتها على الإنتاج والتصدير وتوليد النقد الأجنبي، وليس بحجم الإنفاق الحكومي عليها.
وفي المقابل يجب إخضاعها للحوكمة والمراجعة والشفافية حتى لا تتحول إلى احتكارات جديدة.
بالاضافه إلى دخولها الي المنافسة في الإنتاج يجب الا تترك فراغ في تصدير السلع النقدية و يجب على الحكومة في الفترة القصيرة على الاقل عبر الشركات الحكومية ان تحتكر صادر السلع النقدية لضمان انسياب تحصيل النقد الأجنبي و الذي بدوره يساهم في استقرار سعر الصرف.
*الحادي عشر: مكافحة التهريب.. حماية كل دولار*
كل دولار يخرج من الاقتصاد عبر التهريب أو الفواتير الوهمية يمثل ضغطاً إضافياً على الجنيه.
ولهذا يجب تعزيز الربط الإلكتروني بين البنك المركزي والجمارك ووزارة التجارة والضرائب والمصارف والجهات الرقابية، لمتابعة حركة السلع والأموال.
كما يجب تشديد العقوبات على التهريب المنظم، والتلاعب في الفواتير، وإخفاء حصائل الصادرات، وغسل الأموال.
وفي الوقت نفسه، يجب عدم تحويل الرقابة إلى بيروقراطية تعرقل التجارة المشروعة.
*الثاني عشر: السياسة النقدية.. وقف النزيف دون خنق الاقتصاد*
ضبط الكتلة النقدية أمر ضروري، لكن ليس المطلوب تجفيف السيولة من الاقتصاد.
المطلوب هو منع التوسع النقدي الذي لا يقابله إنتاج، وفي الوقت نفسه توجيه التمويل المصرفي نحو القطاعات التي تستطيع زيادة الإنتاج بسرعة.
وهنا يأتي دور المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
يمكن توسيع التمويل للزراعة والصناعة والصناعات الغذائية والخدمات الإنتاجية، مع ربط التمويل بالإنتاج الفعلي لتقليل الطلب على الواردات و بالتالي تقليل الضغط على طلب الدولار .
فالسيولة التي تمول مشروعاً منتجاً تزيد السلع والخدمات، بينما السيولة التي تذهب إلى المضاربة على الدولار تزيد الطلب على النقد الأجنبي وتضغط على الجنيه.
*ماذا تفعل الدولة خلال أول 90 يوماً؟*
إذا كان الهدف هو وقف التدهور سريعاً، فإن الأولوية يجب أن تكون لحزمة إجراءات متزامنة:
1. إنشاء غرفة طوارئ اقتصادية للنقد الأجنبي والأسعار والتجارة الخارجية.
2. إطلاق برنامج عاجل لشراء الذهب عبر القنوات الرسمية (احتكار شراء و تصدير الذهب عبر الحكومة) في المدى القصير .
3. إنشاء حساب احتياطي مستقل تودع فيه نسبة من حصائل الذهب والصادرات.
4. تنظيم تحويلات المغتربين بسعر وحوافز جاذبة مع ضرورة انشاء شبكة تواصل َمعهم.
5. وقف استيراد السلع غير الضرورية مؤقتاً، وفق قائمة واضحة ومعلنة.
6. إخضاع كل الواردات للمراجعة الفنية للتكلفة قبل التمويل.
7. تحديد أسعار مرجعية للسلع الأساسية والرقابة على هوامش الربح.
8. تشديد الرقابة على حصائل الصادرات والتهريب.
9. بدء مفاوضات مع الشركاء التجاريين لاتفاقات المقاصة ( السلع و العملة) .
10. توجيه الائتمان المصرفي إلى القطاعات الإنتاجية السريعة.
11. وقف أي تمويل نقدي غير منضبط للعجز الحكومي.
12. إعداد إطار قانوني لإصدار سندات دولارية مدعومة بالذهب، على أن تستخدم فقط بعد التأكد من جدواها وتوجيهها إلى مشروعات إنتاجية.
*المفتاح الحقيقي: إدارة الدولار لا مطاردة سعره*
السودان لا يستطيع في المدى القصير أن ينتج كل ما يحتاج إليه، ولا يستطيع أن يبني احتياطيات ضخمة في وقت قصير. لكنه يستطيع أن يوقف التسرب ويعيد ترتيب الأولويات ويزيد تدفقات النقد الأجنبي المتاحة.
*وهنا تكمن المفاتيح الحقيقية للتغلب على التدهور:*
زيادة المعروض من الدولار، تقليل الطلب غير الضروري عليه، منع التلاعب في التجارة، ضبط أسعار السلع الأساسية، استعادة تحويلات المغتربين، إدخال الذهب والصادرات في منظومة الاحتياطي، وتوجيه السيولة نحو الإنتاج.
هذه الإجراءات إذا نُفذت بصورة متزامنة يمكن أن تكسر الحلقة التي تغذي تراجع الجنيه:
*شح الدولار، ارتفاع سعره، ارتفاع تكلفة الواردات ، ارتفاع الأسعار، تراجع الثقة في الجنيه ، زيادة الطلب على الدولار ، مزيد من تراجع الجنيه.*
والهدف في المرحلة الأولى ليس الوصول فوراً إلى سعر صرف مثالي، وإنما وقف التسارع في التدهور. وبعد استقرار السوق يمكن الانتقال إلى إصلاحات أعمق في السياسة النقدية والمالية وسوق الصرف.
*الجنيه يحتاج إلى ثقة قبل أن يحتاج إلى سعر جديد*
أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه السياسة الاقتصادية هو التعامل مع سعر الصرف باعتباره المشكلة الوحيدة.
الجنيه السوداني يحتاج إلى اقتصاد يولد النقد الأجنبي، وسياسة مالية لا تستنزف السيولة، ونظام تجاري يمنع التلاعب، وسوق أسعار أكثر انضباطاً، واحتياطي نقدي يمنح البنك المركزي مساحة للحركة، وثقة تجعل المواطن والمصدر والمغترب يفضلون التعامل بالجنيه والنظام المصرفي الرسمي.
لذلك فإن إنقاذ العملة الوطنية في المدى القصير يجب أن يقوم على قاعدة واحدة:
*لا تحاول أن تدافع عن الجنيه بالدولار فقط؛ بل أوقف أولاً كل ما يستنزف الدولار، ثم افتح كل القنوات التي تولده.*
فإذا نجح السودان في بناء احتياطي عاجل، وتنظيم الواردات، واستعادة حصائل الصادرات، وجذب تحويلات المغتربين، والحد من التهريب والمضاربة، وضبط أسعار السلع الأساسية، وتوجيه التمويل إلى الإنتاج، فإن معادلة سوق الصرف ستبدأ في التغير.
وعندها لن يكون استقرار الجنيه نتيجة قرار إداري مؤقت، وإنما بداية لاستعادة القوة الاقتصادية التي تمنح العملة الوطنية قيمتها الحقيقية.



