الأخبار المحلية

دكاكين الرحمة

بقلم: محمد النحوي الشريف

لم تعد أزمتنا أزمة رغيف فحسب، بل أضحت أزمة قوتٍ كامل وأزمة كرامة. فالمواطن السوداني اليوم لا يقف في الصف من أجل خبز يأكله حافًا، بل يبحث عن ثمن الزيت والسكر والعدس الذي يسد به رمق صغاره. لقد تكالبت عليه حرب الأسواق، وأصبح قوت أسرته صعب المنال.

وأمام هذا المشهد، لم يعد انتظار الحلول من أعلى مُجديًا. لذا، آن أوان الحلول النابعة من الأرض، من بيننا نحن؛ حلول يصنعها الشعب للشعب، خالصة لوجه الله تعالى.

إننا لا نطلب جيشًا من المليارديرات، بل نناشد عشرة رجال صادقين فقط في كل مدينة: خمسة رجال في الداخل أكرمهم الله بسعة الرزق وجعلهم حاضرين بين أهلهم، وخمسة من أبنائنا المغتربين في المهجر ممن يحملون السودان وأهله في قلوبهم.

أما رجال الداخل، فمهمتهم هي الأفران. المطلوب من كل واحد منهم أن يفتح خمسة أفران تعمل بهامش ربح صفري، تبيع الرغيف بسعر تكلفته الحقيقية؛ فإذا كان السوق يبيع رغيفتين بألف جنيه، باع هو أربعًا بألف جنيه، ولو اقتضى الأمر أن يخسر قليلًا احتسبه عند الله. إن خمسة وعشرين فرنًا بلا أرباح في مدينة واحدة كفيلة بأن تهز عرش الاحتكار وتعيد الرغيف إلى حجمه وكرامته.

وأما إخواننا المغتربون، فهم ركيزة وسند دكاكين الرحمة. فالرغيف وحده لا يكفي، ولا يكتمل القوت إلا بملاحه. ومهمتهم أن ينشئوا أسواقًا تُسمى “دكاكين الرحمة”، تبيع السكر والزيت والدقيق والعدس والأرز والصابون بسعر المصنع مباشرة، مضافًا إليه هامش يسير للترحيل والعمالة فقط. نقول للمغترب الوطني: اغترابك لم يكن لنفسك وحدك، ودولارك الذي ترسله ليطعم أهل حيك يبقى لك ذخرًا وسمعة طيبة لا تزول، وصدقة جارية تشهد لك عند الله وعند الناس، وهو تجارة تحفظ مالك من التآكل وتستر أهلك.

إن دكانًا واحدًا من هذا النوع في كل حي كفيل بأن يحرر آلاف الأسر من استغلال تجار الأزمات، ويعيد للمواطن كرامته في أن يُطعم أبناءه من حلال بسعر عادل.

إنها ليست دعوة إلى صدقة موسمية عابرة، بل هي مشروع لإعادة بناء التكافل الاجتماعي السوداني، يُغني الشعب عن انتظار إغاثة منظمة أو صدقات. هذه المبادرة تقول: إن الشعب إذا عجزت دولته بفعل الحرب، فإنه لا يعجز بذاته. إننا نبحث عن تاجر يتاجر مع الله في الداخل، وعن مغترب يتاجر مع وطنه في الخارج، يعلمان أن جنيهًا واحدًا يُنفق ليُطعم جائعًا خير من قصور الدنيا وما فيها.

هذه دعوة مفتوحة لكل مقتدر في الداخل والخارج: افتح فرنًا إن كنت حاضرًا، وافتح دكان رحمة إن كنت مغتربًا، واكتب اسمك في سجل الخالدين في قلوب الناس، فالأمم لا تُبنى بالحكومات وحدها، بل برجالها حين ينهضون.

*مع كل الود والتقدير*

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى