
هناك رسائل لا تُكتب من أجل النقد، وإنما تُكتب أملاً في قرار يُخفف معاناة الناس، ويعيد البسمة إلى وجوه أنهكتها الحرب، وأثقلتها سنوات النزوح واللجوء. ومن هذا المنطلق جاءت هذه الكلمات إلى معالي وزير الداخلية، بعد أن استمعت إلى عشرات القصص والوجوه التي تحمل حلماً واحداً… العودة إلى الوطن.
لقد ساقني إلى كتابة هذه الرسالة ما لمسته من واقع اشتراطات السفر التي تُطبق على المستفيدين من رحلات لجنة الأمل للعودة الطوعية، وهي المبادرة الوطنية التي تستهدف المواطنين السودانيين البسطاء الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة ديارهم، بعد أن فقدوا الأمن والاستقرار، وتعرضوا لفقدان الممتلكات وتشتيت الأسر، ليعيشوا مرارة الغربة والنزوح، وهم اليوم لا يتطلعون إلا إلى العودة إلى أرضهم للمشاركة في إعادة إعمارها.
معالي وزير الداخلية…
إننا نكتب إليكم من واقع معايشة مباشرة لقضايا السودانيين المقيمين بجمهورية مصر العربية والراغبين في العودة الطوعية إلى السودان، حيث تقف أمام كثير منهم متطلبات استخراج وثائق السفر من سفارة السودان بالقاهرة، وهي متطلبات تمثل عبئاً مالياً يفوق قدرة الأسر المستهدفة أصلاً بالدعم.
فبعد التخفيض يبلغ رسم استخراج جواز السفر 5700 جنيه مصري، بينما تبلغ رسوم الوثيقة الاضطرارية نحو 3200 جنيه مصري. ومع تدني قيمة الجنيه السوداني أمام الجنيه المصري، تصبح هذه الرسوم أرقاماً باهظة بالنسبة للمواطن الذي فقد مصدر رزقه بسبب الحرب، إذ تعادل قيمة الجواز نحو 644,100 جنيه سوداني، بينما تبلغ قيمة الوثيقة حوالي 361,600 جنيه سوداني للفرد الواحد.
وعندما نتحدث عن أسرة سودانية متوسطة تتكون من خمسة أفراد، فإن حجم الأعباء المالية يصبح فوق طاقة أي أسرة أنهكتها الحرب، وهي أموال يمكن أن تكون رأس مال بسيطاً لتوفير الاحتياجات الأساسية عند الوصول إلى السودان من غذاء ودواء ومتطلبات معيشية عاجلة في ظل ظروف استثنائية يعلم الجميع قسوتها.
والمؤلم أكثر أن بعض المواطنين يحضرون إلى نقطة الانطلاق بعد أن أنهوا كل التزاماتهم، وأغلقوا أماكن إقامتهم، واشتروا احتياجاتهم استعداداً للسفر، ثم يفاجأون بهذه الاشتراطات، فلا يجدون جهة يلجؤون إليها، ولا يملكون سوى تأجيل حلم العودة الذي انتظروه طويلاً.
وقد كنت ضمن الصحفيين الذين شاركوا في وداع الفوج الأخير من رحلات العودة الطوعية، وكان أكثر ما تكرر على ألسنة المسافرين وصيتهم لنا بأن ننقل صوتهم إلى وزارة الداخلية وسفارة السودان بالقاهرة، أملاً في معالجة هذه العقبة التي تعترض طريق العودة.
معالي وزير الداخلية…
إن بلادنا تدخل مرحلة إعادة البناء، وكل مواطن يعود إلى أرضه يمثل إضافة حقيقية لجهود الإعمار والتنمية والاستقرار. ومن هنا، فإننا نرجو من سيادتكم النظر بعين المسؤولية والرحمة إلى أوضاع السودانيين العالقين في دول المهجر، وإصدار قرار استثنائي يقضي بإعفائهم من رسوم وثائق السفر أو تخفيضها بصورة كبيرة، دعماً لبرامج العودة الطوعية، وتشجيعاً للراغبين في العودة إلى وطنهم.
إن مثل هذا القرار لن يكون مجرد إعفاء مالي، بل سيكون رسالة وطنية وإنسانية تؤكد أن الدولة تقف إلى جانب مواطنيها في أصعب الظروف، وأن أبواب الوطن مفتوحة لأبنائه دون أن تعيقهم الأعباء المالية.
إن مبادرة العودة الطوعية التي تجد الدعم والاهتمام من دولة رئيس مجلس الوزراء، وتحظى برعاية واهتمام السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، تستحق أن تُستكمل بإجراءات تسهل العودة، وتزيل العقبات أمام المواطنين، حتى تتحول إلى مشروع وطني ناجح يسهم في إعادة الإنسان السوداني إلى وطنه، ليكون شريكاً في صناعة المستقبل.
نسأل الله أن يحفظ السودان وأهله، وأن يوفق كل من يعمل بإخلاص من أجل رفع المعاناة عن المواطنين، وأن يجعل مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.



