مديرو الجامعات… حين يصبح الكرسي أهم من رفيق الدرب وزميل المهنة
بروفيسور بله احمد بلال

في لحظة فارقة من تاريخ التعليم العالي. يرفع الأساتذة أصواتهم دفاعًا عن كرامتهم المهنية وحقوقهم المشروعة. يبرز سؤال كبير ومؤلم.
أين يقف مديرو الجامعات من كل هذا.
ولماذا يبدو دورهم باهتًا إلى حد يكاد يكون معدوما”.
الواقع يشير إلى أن كثيرا” من مديري الجامعات اختاروا موقع المتفرج. لا لأنهم عاجزون. بل لأن حسابات المنصب أصبحت مقدمة على واجب المسؤولية. فالحفاظ على الكرسي بات أولوية تتقدم على الدفاع عن الزملاء والمؤسسة التي يفترض أنهم يقودونها. وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.
أول هذه الأسباب هو الخوف من فقدان المنصب. فمدير الجامعة في ظل الأوضاع الراهنة لا يتحرك وفق رؤية أكاديمية مستقلة. بل ضمن هامش ضيق تحكمه اعتبارات البقاء. لذلك يفضل الصمت. حتى لو كان الثمن انهيار البيئة الجامعية وتضرر زملائه الذين كانوا معه قبل أن يتولى المنصب.
ثانيًا. الامتيازات المرتبطة بالمنصب. من بدل سكن وعبء إداري وغيرها تاتي من الوزارة. وهي مزايا تجعل بعض المديرين في موقع المستفيد لا المدافع. وعندما تتعارض المصلحة الشخصية مع الموقف الأخلاقي. غالبًا ما ينتصر الخيار الأسهل.
ثالثًا. إغراء الامتيازات الخارجية. فالسفر والمؤتمرات التي يفترض أن تسهم في تطوير التعليم. تحولت عند البعض إلى مساحة للراحة الشخصية. ينطبق عليها المثل السوداني. بطيخة حلا وحمراء. متعة سفر ولقاءات عائلية ومكاسب بعيدة عن هموم الجامعة اليومية.
أما المفارقة الأكثر إيلامًا. فهي أن أبناء بعض هؤلاء المسؤولين يدرسون في الخارج في أعرق الجامعات وينعمون ببيئات تعليمية متقدمة. بينما يعاني الأستاذ داخل الوطن من ضعف الأجور. ويكابد الطلاب تدهور الخدمات وانعدام أبسط مقومات التعليم. هنا يحضر المثل الدارفوري. ثعبان في خشموا جرداي ما بعضي. من يعيش الألم لا يملك رفاهية الصمت. أما من نجا بنفسه فقد لا يشعر بضرورة التغيير.
كل هذه العوامل تفسر تراجع دور مديري الجامعات في هذه اللحظة الحرجة. حتى أصبح أقصى ما يمكن توقعه منهم هو الدفاع عن الكرسي. لا عن رفقاء الدرب وزملاء المهنة الذين سيعودون إليهم يومًا.
لكن الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح. أن الجامعة لا تُدار بالخوف. ولا تُحمى بالامتيازات. ولا تُبنى بالصمت. بل تحتاج إلى قيادة شجاعة تنحاز للحق. وتدافع عن أساتذتها. وتدرك أن التاريخ لا يذكر من صمتوا. بل من وقفوا في الوقت الصحيح.
إضراب الأساتذة ليس حدثا” عابرا”. بل هو اختبار حقيقي لضمير القيادة الأكاديمية. ومن يفشل في هذا الاختبار اليوم. لن يجد له مكانًا في ذاكرة الجامعة غدًا.
وفي الختام. تبقى الحقيقة ساطعة لا تُخفى. أن الجامعة لا تقوم على جدران صماء. بل على ضمائر حية ووفاء لا يُشترى. فمن باع رفيق الدرب لأجل الكرسي خسر الاثنين معًا. ومن صمت عن الحق خوفًا على المنصب. فقد المنصب والهيبة معًا. فإما موقف يُكتب في صفحات الشرف. أو صمت يُطوى في سجل الأسف. والتاريخ لا يرحم ولا يذكر إلا من صدق حين خاف غيره. وثبت حين تراجع سواه.

