الإدارة الأهلية وإعادة بناء السلام في السودان.. بين الإرث التاريخي ومتطلبات الدولة الحديثة
عبدالمنان أبكر عمر

*
لم تكن الإدارة الأهلية في السودان مجرد بنية تقليدية موروثة بل شكّلت عبر قرون أحد أعمدة الحكم المحلي وتنظيم الأرض وإدارة النزاعات الاجتماعية. اعتمد عليها الاستعمار البريطاني منذ مطلع القرن العشرين ضمن نظام (الحكم غير المباشر) فحوّل الزعامة القبلية إلى أداة إدارية تضبط الأمن وتدير الموارد في الأقاليم البعيدة عن المركز. غير أن هذه المنظومة التي أدت دورها في سياقها التاريخي لم تُحدّث بعد الاستقلال بل جرى تسييسها تدريجيًا وربطها بالولاءات ما أفقدها حيادها ووظيفتها الاجتماعية الأصيلة.
وجاءت حرب أبريل 2023 لتكشف بوضوح عمق هذا الخلل حين انخرطت قطاعات من القيادات الأهلية طوعًا أو تحت الضغط في دعم أو تبرير جرائم وانتهاكات مليشيا الدعم السريع، لتتحول من وسيط اجتماعي إلى جزء من معادلة الصراع.
في دارفور التي عُرفت تاريخيًا بنظام الحواكير وإدارة التوازن بين الرعاة والمزارعين لعبت الإدارة الأهلية دورًا محوريًا في احتواء النزاعات حتى تسعينيات القرن الماضي. لكن التحول الكبير بدأ مع تصاعد التوترات المسلحة عام 2003 حين اندلع تمرد دارفور وردّت عليه الحكومة بتسليح مليشيات قبلية ما همّش القيادات التقليدية المستقلة وأدخل بعضها في شبكة الصراع. وفي أعقاب مجازر 2003–2004، فقدت الإدارة الأهلية كثيرًا من قدرتها على الوساطة لتحل محلها سلطة السلاح. ومع اندلاع الحرب الأخيرة في 2023 شهدت مدن مثل الجنينة وأرياف غرب دارفور تورط بعض القيادات المحلية في التعبئة القبلية أو الصمت على أعمال القتل الجماعي ما أدى إلى تهجير مئات الآلاف وانهيار شبه كامل للنسيج الاجتماعي الذي ظل متماسكًا لعقود.
أما في كردفان فقد كانت الأعراف القبلية منذ مطلع القرن العشرين تنظم مسارات الرعي وتقاسم المياه والأراضي وتُحل الخلافات عبر مجالس الصلح الأهلي غير أن التسييس المكثف بدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي مع توسع الزراعة الآلية والتنافس على الأرض ثم تعمق خلال حرب جنوب السودان حين جرى تسليح مجموعات قبلية تحت شعارات الدفاع الذاتي وفي السنوات اللاحقة خصوصًا بعد 2011 تحولت النزاعات حول الموارد إلى صراعات مسلحة متكررة. ومع حرب 2023 استُخدمت بعض الزعامات التقليدية في حشد الشباب وتوفير الغطاء الاجتماعي للعنف ما أعاد إنتاج دوامة الانتقام والانقسام.
وفي شرق السودان حيث شكّلت الإدارة الأهلية تاريخيًا إطارًا للتعايش بين المكونات المحلية والوافدة بدأت بوادر التآكل منذ التسعينيات مع تهميش الإقليم سياسيًا واقتصاديًا. لكن الانفجارات الكبرى وقعت بين 2019 و2022 حين اندلعت مواجهات دامية في بورتسودان وكسلا على خلفيات قبلية وإدارية، جرى خلالها توظيف الزعامات التقليدية في الصراع على النفوذ والأرض. هذه الأحداث تركت الشرق هشًا اجتماعيًا ومع اندلاع الحرب الوطنية أصبح الإقليم مهددًا بالانزلاق إلى فوضى مماثلة إذا استمر غياب الإصلاح المؤسسي.
توضح هذه المحطات التاريخية حقيقة واحدة حين تُفقد الإدارة الأهلية حيادها وتُربط بالسلاح والسياسة، تتحول من أداة استقرار إلى محرّك للعنف.
ومع ذلك فإن إلغائها بالكامل ليس حلًا واقعيًا فالدولة السودانية منذ الاستقلال عجزت عن ترسيخ حضور مؤسسي فعّال في الريف والأطراف وبقيت الإدارة الأهلية المرجعية الأساسية لحل النزاعات وتنظيم العلاقة بالأرض والموارد. وإزاحتها دون بديل قوي ستخلق فراغًا تملؤه المليشيات والاقتصادات المسلحة.
التحدي الحقيقي يكمن في التحول الجذري لا الإلغاء إعادة تأسيس الإدارة الأهلية ضمن إطار قانوني حديث يحدد صلاحياتها ويخضعها للمساءلة وينهي التوريث المطلق لصالح اختيار مجتمعي قائم على الكفاءة والشرعية الاجتماعية. كما يتطلب الأمر فصلها الكامل عن السلاح والسياسة بحيث يفقد أي زعيم أهلي ينخرط في العنف اعترافه القانوني فورًا.
ويرتبط هذا المسار مباشرة بمشروع العدالة الانتقالية. فإعادة النازحين، وحل نزاعات الأرض المتراكمة منذ 2003 في دارفور، ومعالجة مظالم كردفان والشرق، لا يمكن أن تتم دون إشراك القيادات المحلية ذات التأثير الاجتماعي، ولكن ضمن منظومة قانونية تحمي حقوق الضحايا ولا تبرر الجرائم باسم الأعراف. فالإدارة الأهلية، إذا أُعيد ضبطها، يمكن أن تكون جسرًا للمصالحة المجتمعية، لا بديلًا عن القضاء.
في جوهر الأزمة السودانية صراع بين منطق الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والمؤسسات، ومنطق العصبية التقليدية التي تعود للواجهة كلما ضعفت الدولة. وكلما فشل مشروع بناء الدولة، تحولت الخلافات السياسية إلى حروب اجتماعية.
الإدارة الأهلية تقف اليوم عند هذا المفترق التاريخي
إما أن تُحدّث وتُدمج في مشروع وطني جامع فتسهم في ترميم النسيج الاجتماعي وبناء السلام
أو تُترك على حالها فتظل مصدرًا متجددًا للصراع والانقسام.
إن إعادة بناء السودان بعد هذه الحرب لا تتطلب فقط إسكات السلاح بل إصلاح البنى الاجتماعية التي جرى تسييسها وعسكرتها على مدى عقود وبدون هذا التحول العميق ستبقى كل تسوية سياسية مؤقتة وكل سلام هشًا معرضًا للانفجار عند أول أزمة قادمة.



