حين تتكلم الدراما… تصغي المواصفات
الحروف د. هيثم حسن عبد السلام خبير شؤون المستهلك mismawia@yahoo.com

منذ البدايات الأولى لتشكّل الوعي الإنساني، لم يكن التعليم محصوراً في كتاب أو قاعة درس، بل كان مشهداً، وحكاية، ولحظة دهشة تختزل المعنى في صورة. ولعل أول درس تعلّمه الإنسان جاء في سياق درامي خالص، حين بعث الله الغراب ليعلّم بني آدم كيف يواري سوءة أخيه؛ مشهد بسيط في ظاهره، عميق في دلالاته، يؤكد أن الدراما كانت – ولا تزال – من أقدم وأقوى أدوات التعليم والتأثير.
وفي واقعنا المعاصر، تتجدد هذه الحقيقة بأشكال أكثر تطوراً، حيث أصبحت الدراما والمسرح منابر حيوية لنقل المعرفة، وتبسيط المفاهيم، وترسيخ السلوكيات الإيجابية. وفي هذا الإطار، يبرز الدور الذكي والمتقدم للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، التي لم تقف عند حدود الأطر التقليدية في التوعية، بل انفتحت على الدراما كوسيلة فعّالة لنشر ثقافة التقييس وحماية المستهلك وسط المجتمع السوداني.
لقد أدركت الهيئة أن اللغة العلمية – رغم أهميتها – قد لا تصل دائماً إلى وجدان الناس بالقدر المطلوب، ما لم تُقدَّم في قالب قريب من حياتهم اليومية. وهنا جاءت الشراكة الاستراتيجية مع الدراميين والمسرحيين، لتُترجم المفاهيم الفنية المعقدة إلى مشاهد حية، وحكايات واقعية، وشخصيات تشبه الناس وتعبّر عنهم.
ومن خلال هذا التعاون، لم تعد المواصفات مجرد أرقام ومعايير جامدة، بل أصبحت سلوكاً يُمارس، وثقافة تُعاش، ووعياً يتشكل عبر الضحكة أحياناً، وعبر الموقف المؤثر أحياناً أخرى. فمشهد درامي يعالج قضية غش تجاري، أو يبرز أهمية بطاقة البيان، قد يكون أكثر تأثيراً من عشرات النشرات التوعوية.
وفي يوم المسرح، تقف الهيئة باعتزاز أمام هذه التجربة، التي جسّدت نموذجاً ناجحاً لتكامل الأدوار بين المؤسسات الفنية والجهات الرقابية، في خدمة المجتمع. شراكة لم تكتفِ بنقل الرسالة، بل أعادت صياغتها بلغة الناس، فلامست احتياجاتهم، وخاطبت عقولهم ووجدانهم في آنٍ واحد.
كما نبعث بتحية محبة وتقدير لكل المبدعين الذين تعاونوا معنا في سابقات الأيام، فكانوا خير معين وسند في إيصال الرسالة، وأثبتوا أن الفن حين ينحاز لقضايا المجتمع يصنع أثراً لا يُمحى. التحية لهم جميعاً في يوم المسرح العالمي، أولئك الذين أضاءوا الخشبة فكراً ووعياً، ورحمة الله على من رحلوا عنا، وقد تركوا بصماتهم حيّة في وجدان الناس.
إن الرهان على الدراما ليس ترفاً، بل ضرورة في زمن تتعدد فيه مصادر التأثير، وتتسارع فيه الرسائل. والنجاح الذي تحقق في هذا المسار يؤكد أن التوعية الحقيقية تبدأ حين نفهم كيف يفكر الناس، وكيف يتلقون المعرفة، وكيف تتحول المعلومة إلى سلوك.
وهكذا، حين تتكلم الدراما بلغة بسيطة وصادقة، تصغي المواصفات… ويبدأ التغيير.


