
حين تتعطل الطرق، لا تتعطل حركة المركبات وحدها، بل تتوقف عجلة الاقتصاد، وتتأخر التنمية، وتزداد معاناة المواطن، وتضعف قدرة الدولة على استثمار مواردها.
ما أُثير مؤخرًا حول طريق بورتسودان – كسلا ليس مجرد شكوى عابرة، بل جرس إنذار يدق بقوة. فهذا طريق قومي يربط شرق السودان ببقية الولايات، ويمثل شريانًا حيويًا للتجارة، وحركة المواطنين، ونقل السلع والإنتاج. وعندما يصبح هذا الطريق غير صالح للاستخدام، فإن الخسارة لا يتحملها المسافر وحده، بل يتحملها الوطن بأكمله.
والأمر لا يقتصر على هذا الطريق، فالكثير من الطرق القومية والرئيسية تحتاج اليوم إلى صيانة عاجلة وإعادة تأهيل وفق معايير هندسية تضمن الجودة والاستدامة، لا المعالجات المؤقتة التي تتآكل مع أول موسم أمطار.
السودان ليس بلدًا فقيرًا في موارده، بل هو من أغنى دول المنطقة بالثروات الزراعية والمعدنية، وعلى رأسها الذهب، إلى جانب الأراضي الزراعية الشاسعة والثروة الحيوانية والموانئ والموقع الاستراتيجي. لكن كل هذه الموارد تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها إذا لم تجد طرقًا حديثة وآمنة تنقلها إلى الأسواق والموانئ.
إن الدول التي ننبهر اليوم بإنجازاتها لم تصل إلى ما هي عليه بالصدفة، بل جعلت البنية التحتية أولوية وطنية. شقت الجبال، وأنشأت الأنفاق والكباري، وربطت أطرافها بشبكات طرق متطورة. أما السودان، فقد حباه الله بأراضٍ منبسطة في مساحات واسعة، مما يجعل إنشاء الطرق أقل تعقيدًا مقارنة بكثير من تلك الدول، فلماذا لا نستثمر هذه الميزة؟
إن الأسئلة التي يرددها المواطنون تستحق إجابات واضحة:
أين وزارة الطرق والجسور؟ وأين خطط الصيانة الدورية؟ وأين دور الحكومة المركزية؟ وأين الأولويات في ميزانية التنمية؟
فالطريق ليس مشروعًا خدميًا فحسب، بل استثمار اقتصادي يعود بعوائد مضاعفة، ويقلل تكلفة النقل، ويشجع الاستثمار، ويصل مناطق الإنتاج بالأسواق، ويخلق فرص عمل، ويحفظ الأرواح.
إن المرحلة التي يمر بها السودان تتطلب رؤية جديدة تجعل الطرق القومية مشروعًا استراتيجيًا لا يخضع للتأجيل. كما تستوجب إشراك القطاع الخاص ورؤوس الأموال الوطنية في تنفيذ وصيانة الطرق عبر شراكات واضحة وشفافة تحقق المنفعة العامة.
إن بناء وطن قوي يبدأ من طريق آمن، وجسر متين، وشبكة مواصلات تليق ببلد يملك كل مقومات النهضة.
فالطرق ليست مجرد إسفلت… إنها اقتصاد، وتنمية، ووحدة وطن، ورسالة بأن الدولة تتحرك إلى الأمام.
واليوم، ينتظر المواطن من المسؤولين تحركًا عمليًا، لا بياناتٍ ولا وعودًا. فإصلاح طريق واحد قد يفتح أبواب التنمية لعشرات المدن، وربط مناطق الإنتاج بشبكة طرق حديثة هو الخطوة الأولى نحو سودان أكثر ازدهارًا واستقرارًا..



