
حينما تتجاوز العلاقات بين دولتين حدود السياسة، وتتخطى الجغرافيا، وتسكن في وجدان الشعوب، فإن الحديث عنها لا يكون حديثاً عن سفارات وسفراء وبروتوكولات، وإنما عن تاريخ حيّ، ومصالح مشتركة، ومصير تتقاطع فيه الطرق مهما تباعدت الظروف.
ولذلك، فإن تعيين سعادة السفير ياسر سرور سفيراً لجمهورية مصر العربية لدى جمهورية السودان، ليس خبراً دبلوماسياً عابراً في تقديري، بل هو اختيار يحمل دلالات مهمة، ويأتي في توقيت بالغ الحساسية والدقة، تحتاج فيه العلاقات السودانية المصرية إلى رجل يعرف السودان، ويعرف ملفاته، ويدرك طبيعة العلاقة بين الخرطوم والقاهرة، ويملك أدوات الدبلوماسية التي تمكنه من التعامل مع تعقيدات المرحلة المقبلة.
وليس أكثر من السرور أن يأتي «سرور» إلى السودان!
فالسرور هنا ليس مجرد اسم السفير، وإنما أمنية بأن يحمل القادم إلى الخرطوم سروراً جديداً للعلاقات بين البلدين، وأن تكون مهمته امتداداً لتاريخ طويل من المحبة والتعاون والتكامل.
مصر والسودان…
ماذا يمكن أن نقول عن علاقة بدأت قبل أن تعرف السياسة الحديثة معنى الحدود؟
النيل يعرف الطريق بين البلدين قبل الخرائط، والشعوب عرفت بعضها قبل أن تعرف السفارات طريقها إلى العواصم.
هناك تاريخ مشترك، وثقافة مشتركة، وامتداد اجتماعي، وتداخل أسري، ومصالح اقتصادية، وأمن قومي متبادل، وذاكرة شعبية لا تستطيع الاتفاقيات وحدها أن تختصرها.
ولهذا فإن العلاقات السودانية المصرية ليست علاقة دولتين جارتين فحسب؛ إنها علاقة دولتين تملك كل منهما من عناصر القوة ما يمكن أن يصنع للآخر إضافة حقيقية.
ومصر، حكومة وشعباً، أثبتت خلال محنة السودان الأخيرة أن الأخوة لا تُقاس بالكلمات.
عندما اشتدت الحرب، وخرج ملايين السودانيين من ديارهم بحثاً عن الأمان، كانت مصر واحدة من أهم أبواب اللجوء والاستضافة، ووجد السودانيون في أرض الكنانة مساحة للأمان والاستقرار والتعليم والعلاج والعمل والحياة.
ولم يكن وصول السودانيين إلى مصر مجرد استجابة لقرب الحدود.
بل كان استجابة لنداء أعمق من الجغرافيا.
كان نداء التاريخ.
فالذي لجأ إلى مصر لم يعبر حدوداً سياسية فقط؛ كان يعبر إلى بلد يعرفه، ويشعر بالقرب منه، ويجد في أهله ملامح من أهله.
ولذلك فإن الشكر لمصر، حكومة وشعباً، لا ينبغي أن يكون بروتوكولياً أو موسمياً.
شكراً مصر، لأنك كنتِ في محنة السودان وطناً قريباً، وبيتاً مفتوحاً، وسنداً في وقت احتاج فيه السودان إلى السند.
وشكراً للشعب المصري الذي احتضن السودانيين، وتقاسم معهم تفاصيل الحياة اليومية، وأثبت أن العلاقات الشعبية أعمق من كل الأزمات.
لكن…
العلاقات العظيمة لا ينبغي أن تبقى أسيرة الذاكرة الجميلة وحدها.
نحن أمام مرحلة جديدة تحتاج إلى فكر استراتيجي جديد.
السودان الخارج من الحرب يحتاج إلى إعادة إعمار ضخمة، وإلى بنية تحتية، ومشروعات إنتاج، وإعادة تأهيل للمدن والمؤسسات والخدمات، وإلى شراكات اقتصادية حقيقية.
وهنا تأتي مصر بوصفها شقيقة وجارة، وبما تمتلكه من إمكانات وخبرات وقدرات بشرية وفنية وهندسية واقتصادية، لتكون شريكاً أساسياً في مرحلة إعادة إعمار السودان.
ولا أقصد أن تكون مصر وحدها في هذا المشهد، فالسودان بلد كبير ويحتاج إلى العالم كله، لكنني أؤمن بأن مصر يجب أن تكون في مقدمة الذين يحملون مع السودان مسؤولية إعادة البناء.
فالطريق بين القاهرة والخرطوم قصير، والخبرة المصرية متراكمة، والسوق السودانية واسعة، والموارد السودانية هائلة، والتكامل بين البلدين يمكن أن يتحول من شعار سياسي إلى مشروع اقتصادي طويل الأمد.
نحتاج إلى أن ننظر إلى العلاقة بعين المستثمر، لا بعين الدبلوماسي وحده.
نحتاج إلى مشروعات مشتركة في الزراعة، والثروة الحيوانية، والصناعة، والطاقة، والنقل، والطرق، والإعمار، والصحة، والتعليم، والإعلام، والثقافة والسياحة.
نحتاج إلى أن يصبح النيل ممراً للتكامل لا مجرد رمز للعلاقة.
ونحتاج إلى أن تتحول الحدود من نقطة تفتيش إلى بوابة اقتصادية وتنموية.
وهنا تحديداً، أرى أن اختيار السفير ياسر سرور يحمل أهمية خاصة.
فالرجل ليس بعيداً عن الملف السوداني، بل يأتي إلى الخرطوم وهو يحمل معرفة سابقة بملف السودان من داخل وزارة الخارجية المصرية، الأمر الذي يمنحه ميزة مهمة في فهم تفاصيل العلاقة، وتشابكاتها، وحساسياتها، وملفاتها.
وهذه المعرفة لا تعني أن المهمة سهلة.
على العكس تماماً.
السفير القادم إلى السودان يدخل واحداً من أكثر الملفات الدبلوماسية حساسية وتعقيداً في المنطقة.
ملف بلد يعيش مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، ويمر بظروف استثنائية، ويحتاج إلى دعم الأشقاء والأصدقاء، وفي الوقت ذاته يحتاج إلى احترام إرادته وسيادته وقراره الوطني.
ومن هنا تأتي قيمة الدبلوماسي الذي يعرف أن أفضل العلاقات هي التي تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والوضوح الاستراتيجي.
السفير سرور أمام فرصة تاريخية.
أن ينتقل بالعلاقة من إدارة الملفات إلى صناعة المستقبل.
من ردود الأفعال إلى المبادرات.
من الدبلوماسية التقليدية إلى دبلوماسية التنمية وإعادة الإعمار.
ومن العلاقات التي تحتفي بتاريخها إلى علاقات تصنع تاريخاً جديداً.
وأعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج أيضاً إلى فتح أبواب واسعة أمام الدبلوماسية الشعبية.
فالسودانيون الموجودون في مصر ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات الهجرة واللجوء، وإنما هم جسور بشرية بين البلدين.
والطلاب السودانيون في الجامعات المصرية، والأطباء والمهندسون والمثقفون والإعلاميون والفنانون ورجال الأعمال وأصحاب المهن المختلفة، جميعهم يمكن أن يكونوا سفراء حقيقيين للعلاقة بين الشعبين.
وكذلك المصريون في السودان.
هذه المساحات يجب أن تُدار بعقل استراتيجي، لأن الدولة الحديثة لا تبني علاقاتها الخارجية بالوزارات والسفارات وحدها، وإنما تبنيها أيضاً بالشعوب والمجتمعات ومراكز المعرفة والاقتصاد والثقافة والإعلام.
ولعل مأدبة العشاء التي أقامها سفير السودان بالقاهرة، الفريق أول مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، احتفاءً بالسفير المصري الجديد، كانت أكثر من مناسبة بروتوكولية.
كانت رسالة سودانية واضحة:
نحن نريد لهذه العلاقة أن تتقدم.
وكان حضور الوزراء والمسؤولين ورجال الاقتصاد والإعلام والفن والمجتمع المدني من البلدين دليلاً على أن هذه العلاقة لها أكثر من باب، وأكثر من طريق.
والجميل أن المناسبة لم تنسَ السفير المصري السابق هاني صلاح، الذي يستحق التحية على ما قدمه خلال فترة عمله، وعلى وجوده ومواصلته أداء مهامه من بورتسودان في الظروف الصعبة التي مر بها السودان.
فالوفاء جزء من أخلاق الدبلوماسية.
واليوم، يبدأ فصل جديد مع السفير ياسر سرور.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله له:
أهلاً بك في السودان… البلد الذي يعرف مصر جيداً، ومصر التي يعرفها السودان جيداً.
نريدك سفيراً للعلاقة، لا للملف فقط.
نريدك جسراً بين الخرطوم والقاهرة.
نريد أن نراك بين رجال الاقتصاد، وأهل الثقافة والإعلام، والشباب، والمجتمع المدني، وفي مواقع العمل والإنتاج، وأن تحمل إلى القاهرة نبض السودان، كما تحمل إلى الخرطوم رؤية مصر.
فالمرحلة القادمة ليست مرحلة مجاملة.
إنها مرحلة مصالح مشتركة، وإعمار، وتنمية، وأمن، وتكامل اقتصادي، وتعاون استراتيجي.
السودان يحتاج مصر، ومصر تحتاج السودان، ليس من باب الحاجة العابرة، وإنما من باب التكامل الذي فرضه التاريخ والجغرافيا والمصلحة والمصير المشترك.
وعندما تنتهي الحرب، سيكون السؤال الأكبر:
من يقف مع السودان في إعادة بناء ما دمرته الحرب؟
وأنا على يقين بأن مصر يجب ألا تكون بعيدة عن الإجابة.
بل ينبغي أن تكون في مقدمة الصفوف.
فمصر التي فتحت أبوابها للسودانيين في المحنة، تستطيع أن تفتح أبواباً أوسع مع السودان في مرحلة البناء.
مصر تستطيع أن تكون شريكاً رئيسياً في إعادة إعمار السودان، والسودان يستطيع أن يكون عمقاً اقتصادياً واستراتيجياً لمصر.
تلك ليست عاطفة فقط.
ذلك فكر استراتيجي ينبغي أن يحكم العلاقة في السنوات القادمة.
وفي النهاية…
ليس أكثر من السرور أن يأتي ياسر سرور سفيراً لمصر في السودان.
وليس أكثر من الأمل أن يكون قدومه بداية لمرحلة جديدة من السرور في علاقات البلدين.
فليضع السفير ياسر سرور يده في يد السفير عماد الدين عدوي، ولتلتقِ إرادة القاهرة مع إرادة الخرطوم، ولنجعل من التاريخ المشترك منصة للمستقبل، ومن الجغرافيا جسراً للتنمية، ومن النيل شرياناً للتكامل.
فالسودان ومصر لا يحتاجان إلى اكتشاف طريق جديد بينهما…
بل يحتاجان فقط إلى أن يمشيا معاً في الطريق الذي رسمه التاريخ منذ آلاف السنين.



